|
(9) أن التبادل في حالة الربا يتم على أشياء مثلية، في حين أن التبادل في حالة البيع يتم على أشياء مختلفة، سلعة مقابل نقد، وهذا الاختلاف في الأشياء المتبادلة هو الذي ينشئ النشاط التجاري المفيد المنتج في البيع بالمقارنة مع النشاط الربوي(1). أما القول المانعين من بيع التقسيط بأن الزيادة في البيع بالنسيئة هي مقابل الزمان فقد ناقشه جمهور الفقهاء على النحو التالي: 1- أن الزيادة في الثمن المؤجل لا تتعين عوضاً عن الزمان، بدليل أن بعض الناس يبيع آجلا بأقل مما اشترى لحاجته إلى البيع وتصريف السلع أو لتوقعه انخفاض الأسعار في المستقبل، ومن التجار من يبيع بأقل من القيمة الحقيقية بثمن حال أو مؤجل، فلا تتعين الزيادة للزمان، بل الزيادة في أكثر الأحيان غير متعينة(2). 2- أننا لو سلّمنا بجعل الزيادة مقابل التأخير والزمن كما دلت على ذلك بعض الأحاديث والآثار، فإنما منع الشارع منها إذا كانت ابتداءً كما كان عليه أمر الجاهلية في قولهم :" أما أن تقضي وأما أن تربى"(3). وأما استدلالهم بكون الزيادة في مقابل الأجل بالقياس على انقاص الدّين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، وهو غير جائز بدليل تسمية ابن عمر رضي اللع عنهما له ربا ونهى ويد بن ثابت وغيره عنه، وبدليل إبطال أبي حنيفة لشرط التعجيل في خياطة الثوب مقابل زيادة الأجرة، وبدليل عدم جواز زيادة الدين الحال مقابل تأجيل صاحبة مدة. فالجواب عنه: 1- أن ابن أبي شيبة قد أخرج من مصنفه أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل فيقول له: عجّل لي وأضع عنك كذا فقال: " لا بأس في ذلك، إنما الربا أن يقول المدين أخر لي وأنا أزيدك، وليس عجّل وأنا أضع عنك" وفي رواة أخرجها البزار عن عبد الله بن عمرو، وأخرجها الطبراني بنحوها:" إنما الذي فيه نهى أن يقول المدين أعجّل لك كذا، وتضع عنه البقية"(4). وليس قول ابن عمر وغيره بأولى ابن عباس، لا سيما أن لقوله سنداً من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم :" ضعوا وتعجلوا". (1) نفس المرجع ، (189). (2) "الإمام زيد" (295)، أبرز صور البيوع الفاسدة (50). (3) " الإمام زيد " (294). (4) " تفسير الجصاص " (2/186). 2- وأما قول أبي حنيفة فيقع في إطار اشتراط منفعة محددة في المعقود عليه لمصلحة العاقد،وهذا النوع من الشروط مما أبطله الحنفية والشافعية في المعتمد من مذهبهم والظاهرية بعدم جوازه وقال المالكية والحنابلة في الراجح من مذهبهم والزيدية والأباضية والإمامية بجوازه. وقد استدل القائلون بعدم الجواز بحديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع وشروط، وهو حديث ضعيف، أنكره أحمد، وقال لا نعرفه مروياً في مسنده وقال النووي عنه، أما الحديث فغريب، وضعفه ابن تيمية، وقال ابن حجر في إسناده مقال. وقال ابن القيم لا يعلم له إسناد يصح(1). 3- وأما القياس على زيادة الدين الحال مقابل زيادة الأجل فمع الفارق وهو أن المقيس عليه منصوص على عدم جوازه فهو بيع الدين بالدين، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ. ومن جهة أخرى، فإن إنقاص الثمن مقابل تقصير المدة غرضه التيسير على المدين وتسهيل الدفع وقضاء الدين عليه، أما الزيادة مقابل زيادة الأجل فغرضها التضييق على المدين فلا وجه للقياس. 4- أن القول بإنقاص الثمن إذا أدى المدين الثمن المؤجل معجلاً بمقدار ما يعادل الأجل تركيز على مبدأ سبق بيانه وهو أن الأساس هو السلعة لا النقد المجرد. لأن السلعة هي التي يتغير سعرها تبعاً للظروف والأحوال والرغبة فيها، أما النقد فهو مقوّم السلع وهو ثابت لا يتغير، لأنها ليست سلعاً ترتفع وتنخفض(2). 5- أن العقود في الشريعة الإسلامي ينظر إليها غير موازنة ببعضها، فالعقد مع تأجيل الثمن عقد قائم بذاته ينظر إليه من حيث سلامة العقد، وكونه غير شامل للربا بأنواعه من نظر إلى غيره.وهذه النظرية تجعل العقد صحيحاً في ذاته، وكون المبيع معجلاً بعقد آخر بثمن أقل لا يؤثر العقد الأول، لأنهما عقدان متغايران يتميز كل واحد منهما عن صاحبه(3).
(1) " الملكية في الشريعة الإسلامية " العبادي (2/209). (2) " بحوث في الربا" (49،48). (3) " الإمام زيد " (294). |
ثانياً: مناقشة أدلة القائلين بالجواز: لقد تناول القائلون بعدم جواز البيع بثمن مؤجل يفوق الثمن الحال بعض أدلة القائلين بالجواز بالمناقشة، وذلك على خلاف ما قام به الجمهور من تفنيد جميع أدلة المانعين بصورة شاملة وافية، مما يعد مؤشراً على قوة حجتهم(1). فقد ناقش المانعون قول الجمهور في استدلالهم بالآية الكريمة ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) على حل البيع عملاً بعموم النص حيث لم يرد صحيح يخصه بقولهم: إن الآية تفيد تحريم البيع بزيادة الثمن مقابل الأجل، لأنها داخلة في عموم كلمة الربا التي تعني الزيادة، كما أنها تفيد الإباحة في قوله سبحانه ( إلا أن الكون تجارة عن تراضٍ منكم ) فإن العقود الربوية مقيدة لهذه الإباحة. وإذا قيل بأن البيوع بأثمان مؤجلة داخلة في معنى ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) إذ هي بيع، يقال أنها تحتمل أن تكون داخلة في عموم البيع أو الربا، وعند الإحتمال من غير ترجيح يقدم احتمال الحظر على احتمال الإباحة وخصوصاً أن إحلال البيع ليس على عمومه بل خرجت منه البيوع وهذا منها(2). ومن جهة أخرى ، فإن قوله تعالى ( وحرّم الربا )، وليس مجملاً بدليل أن الله عز وجل وضحه بأن كل زيادة على رأس المال مقابل الأجل ( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ) وقد أجمع العلماء على تفسير الربا في هذه الآية بأنه الربا الذي كان معروفاً في الجاهلية وهو ما كان يحصل عليه الدائن من زيادة لرأس ماله عندما يعجز بدينه عند حلول الأجل فيقول له: " إما أن تقضي ديني وأما أن تربى " أي تزيدني في الدين نظير الأجل فدل على ان كل زيادة في مقابل الأجل ربا، والأجل لا يعد مالاً لعدم إمكان حيازته والاستئثار به وادخاره لوقت الحاجة، فلم يكن جائزاً أن يأخذ مالاً عوضاً عنه، ثم كانت زيادة ثمن السلعة المؤجل عن الثمن المال زيادة خالية عن العوض، وهذا هو الربا(3). أما استدلال الجمهور بحديث: " ضعوا وتعجلوا " فالجواب عنه: أن في إسناده مسلم بن خالد وهو سيئ الحفظ ضعف ، وهو كما قال الدارقطني؛ ثقة إلا أنه سيئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث(4).
(1) أبرز صور البيوع الفاسدة (51). (2) " الإمام زيد " (294). (3) " نظرية الأجل في الالتزام في الشريعة الإسلامية والقوانين العربية "،د.عبد الناصر العطار (221): مطبعة السعادة، القاهرة، ط19778. (4) سنن الدارقطني (2/46). ومن جهة أخرى، فإن الزمن في الحديث كان للحط من الدّين لا للزيادة، بخلاف البيع المؤجل فإنه للزيادة في الثمن لا للنقص منه، وفرق ما بين الزيادة والنقص كفرق من يداين ويزيد لأجل الزمن، ومي يعفو عن بعض الدين ليسهل على المدين الدفع، ولذلك لا يصلح الحديث دليلاً في الموضوع(1). ويضاف إلى ذلك أن القول بجواز إنقاص الثمن مقابل تعجيل دفع الثمن المؤجل لم يرد إلاّ في الدر المختار حيث نسبه ابن عابدين لبعض المتأخرين، وقال: أن أبا السعود ارتضاه، ولعل أبا السعود العمادى ارتضاه لأنه كان يسهل على سليمان القانوني ما يريد من إدخال الأفكار الأوروبية في بلاده، ولذلك لم يعتبر علماء الأتراك فتاويه، بل قد نص بعضهم كأبي بكر الرازي على أن ذلك من الربا الذي نص عليه تحريمه(2). وأخيراً قالوا: أن من يقول بجواز السلف إذ قال عجل لي وأضع عنك من الجائز أنهم أجازوا إذا لم يجعل ذلك شرطاً في العقد، وذلك بأن يقوم البائع بحط بعض الثمن عن المشتري بغير شرط، فيقوم المشتري بحط بتعجيل الدين المتبقي بغير شرط(3). أما عن استدلال الجمهور بأن المشتري قد رضي بالزيادة مقابل الأجل ، والرضا هو شرط صحة التجارة وتوفر كان العقد صحيحاً، أجابوا: بأن رضا المشتري بزيادة السعر المؤجل عن السعر الحال، لا عبرة به إذا اعتبرنا هذه الزيادة ربا، لأن تراضي البائع والمشتري على الربا لا يجعله حلالاً(4). أما عن القول بأن الأسعار تتفاوت ارتفاعاً وانخفاضاً لأن السلعة لها سعر نقدي معين بخلاف النقود فالجواب عنه: أنه إذا كان للبائع أن يبيع ابتدائ بثمن مؤجل أكثر من سعر السوق، فذلك يختلف عن تخيير المشتري بين الشراء بثمن حال أو ثمن مؤجل أكثر من ذلك الثمن الحال. فالبيع الأول يمكن أن يقال فيه بأن الأسعار تتفاوت كما أن للمشتري مطلق الحرية في قبوله، وإذا كانت الشريعة الإسلامية تنهى عن الربح غير المعقول في التجارة. أما البيع الثاني وهو موضوع البحث فإنه يتميز بأن للسلعة ثمن حال معروف، وزاد هذا الثمن بسبب التأجيل. وهنا لا يمكن القول بأن الأسعار تتفاوت وتزيدوتنخفض لأن السلعة تحدد لها سعر نقدي معين ولم (1) " الإمام زيد " (294)، مصرف التنمية ، (186)، " نظرية الأجل "(222). (2) " بحوث في الربا" (49). (3) " تفسير أبي بكر الرازي الجصاص " (2/187). (4) "نظرية الأجل" ( 223،222).
يقصد البائع إلى زيادة الثمن المؤجل إلابسبب الأجل(1). وأخيراً يقترح د.عبد الناصر العطار – وهو من القائلين بأن الثمن المؤجل عن السعر الحال أمر يتفق مع قواعد الشرع، ويعتبره رباً أو شبهة ربا – يقترح علاجاً بديلاً لبيع التقسيط يتمثل فيما عرفته بعض النظم الاقتصادية من وسائل مشروعة يتم فيها تأجيل ثمن المبيع دون زيادة بعض السلع بسعرها اليومي وتأجيل ثمنها مع دفعه أقساطاً تخصم من الراتب. وفي إمكان غير الموظفين تطبيق هذا النظام عن طريق النقابات والجمعيات التعاونية، ولا شك أن هذا النظام لا غبار عليه في الاسلام، كما أن بعض التجار يعلن عن بيع سلعة بالتقسيط وبدون فوائد أي بذات السعر الفوري(2). ثالثاً: مناقشة الرأي الثالث: لقد رأينا أن خلاصة هذا الرأي تتمثل في القول بأن البيع بالتقسيط ليس مباحاً على الإطلاق ولا محرماً على الإطلاق وذلك اتقاء للشبهات واستبراء للدّين والعرض والجواب على ذلك: 1- أن صاحب هذا الرأي قد قال صراحة " ومع ذلك فإننا نعتقد أن البيع بالنسيئة بزيادة الثمن لقاء التأجيل إنما هو مشروع .." وهذا تناقض مع القول أنه ليس مباحاً ولا حراماً، فأبسط درجات المشروعية هي الإباحة. 2- أن الشبهة هي ما اجتمع فيها جانب يؤيد الحل وآخر يؤيد الحرمة، ولقد ورد في حديث صاحب هذا الرأي ما يقطع بمشروعية البيع بالتأجيل مع زيادة الثمن، وصال وجال في بيان فروق أساسية بينه وبين الربا المحرم، فأي وجه للاشتباه بعدئذ؟ وهذا كانت الشبهة والحرص على الاستبراء للدّين تغيب عمن كانوا يدعون سبعين باباً من الحلال مخافة أن يقعوا في باب الحرام، ومع ذلك لم نجد في عباراتهم أدنى تحفظ عند صدور عباراتهم بجواز هذا البيع، مراعياً للشروط الشرعية. 3- أما دعوة صاحب هذا الرأي من يتعاملون ببيع التقسيط إلى الاقتراض الحسن تقليلاً لتداول هذا البيع، واتهامه لهم بالهجوم على هذا النوع من البيع مع عدم مسيس حاجتهم إليه، دون محاولة الحصول على القرض الحسن، فأظنه كلاماً مبالغاً فيه، وهل أبواب القروض الحسنة مشرعة لمن يلجها ونحن في عصر أصبح الفرد فيه يضن بالدرهم والدينار على أمه وأبيه وصديقه وأخيه؟ ثم أذا توفر هذا القرض الحسن ليغطي شراء سلعة يسيرة
(1) ، (2) " نظرية الأجل " (223،222).
الثمن، فأنى له أن يتوفر لشراء عربة يكتسب منها صاحبها قوته وقوت من يعول؟ أو شراء شقة يسكنها؟ فما ارتأه من تبني هذه الفكرة ليس إلا حلماً جميلاً صدر عن حسن ظن ونية- إن شاء الله-. وعليه ففي ظني، أن هذا الرأي يعوزه الدليل المقنع، ويفتقر إلى الموضوعية، وبنقصه عامل الإنسجام، بين ما طرحه صاحبه من أفكار، وبالتالي لا يقوى على النهوض مذهباً ثالثاً إلى جانب المذهبين الرئيسيين المتقدمين من الناحية الحقيقية –اللهم إلا من باب عرضه باعتباره وجهة نظر تمثل رأي صاحبها فحسب- فاقتضى التنويه إليها. · الترجيح: بعد أن عرضنا لأقوال من أجاز بيع التقسيط من الفقهاء، ومن قالوا بعدم جوازه ووقفنا على المناقشات والردود التي وجهها جمهور الفقهاء إلى كافة أدلة القائلين بمنع البيع بثمن مؤجل مع الزيادة على الثمن الحال، ورأينا أنه لم يسلم دليل منها من الطعن الذي يضعف حجيته وصلاحيته للاستدلال به، وفي حين أن أدلة الجمهور قد سلمت في غالبيتها وما وجه إلى بعضها من نقاش لا يقلل من أهميتها، ولا يلغي فاعليتها فقولهم مثلاً بأن آية ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) تتضمن النهي عن كل زيادة وتعتبرها ربا، ففيها إباحة البيع وتحريم الربا، وعند اجتماع الحظر والإباحة يقدم الحظر، فهذا القول يصدق لو لم يوجد ما يرجح كفة الحكم بالإباحة وقد اتضح ذلك الرجحان من خلال الفروق الهامة التي تقدمت بين البيع والربا. ونقول للمعترضين – كما قال الشيخ أبو زهرة – مقالة الله لمن اعترض مثل اعتراضهم، إذ قالوا بأن البيع مثل الربا ( وأحل الله البيع وحرم الربا ). وأما الأحاديث والآثار في جواز انقاص الثمن مقابل تعجيل الوفاء بالدين. فعل ما فيها من مقال سندها، إلا أن مفهومها، ما يسندها من أدلة تقدمت في موضعها يجعل من معانيها ودلالتها أمراً مستساغاً شرعاً. مما يجعلنا نخلص إلى القول بأن صحة بيع التقسيط وجواز التعامل به هو الأولى بالأخذ به والمصير إليه، والله تعالى أعلم. رابعاً: فتاوى العلماء القائلين بجواز البيع بالتقسيط:
بعد أن وصلنا إلى نتيجة مفادها أن القول بجواز بيع التقسيط هو الأولى بالأخذ به نظراً لقوة أدلته، ولأنه يتفق مع روح الشريعة في تحقيق مصلحة المتعاقدين، وتسير معاملات الناس وحل مشكلاتهم. وزيادة في التأكيد، والتماساً لترسيخ هذه الحقيقة نسوق طائفة من فتاوى علماء المسلمين القدامى والمعاصرين والتي جاءت مصرحة بجواز البيع بالتقسيط: 1- فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية: سئل عن رجل عنده فرس شراه بمائة وثمانين درهماً، فطلبه منه إنسان بثلاثمائة درهم إلى مدة ثلاثة شهور، فهل يحل ذلك؟ فأجاب: الحمد لله ، إن كان الذي يشتريه لينتفع به، أو يتجر به، فلا بأس ببيعه إلى أجل، لكن المحتاج لا يربح عليه الربح المعتاد، لا يزيد عليه لأجل الضرورة. وأما إذا كان محتاجا إلى دراهم، فاشتراه لبيعه في الحال، ويأخذ ثمنه، فهذا مكروه في أظهر قولى العلماء(1). 2- فتوى في كتاب "جواهر الفتاوى" السؤال: هل يجوز لأصحاب الأموال بيعها حالاً بثمن، ومؤجلاً بأجل معلوم بثمن أعلى منه أولا يجوز كما يقول البعض بحجة أي قرض جر نفعاً فهو ربا، ولما في المنهاج من نهى عن بيعتين في بيعة، كأن يقول البائع بعتك نقداً بكذا ومؤجلاً بكذا فخذ بأيهما شئت؟ ...أجيبونا مأجورين: الجواب: أن كل الكتب المعتمدة متفقة على جواز البيع المذكور بالوجهين، وأن المال الذي قيمته مائة فلس نقداً يجوز بيعه مؤجلاً إلى شهر بمائة وعشرة أفلس. ولا ربا في ذلك، فإنما هو – الربا – بيع النقود بالنقود، والمطعوم بالمطعوم لإذا اتفق النوعان. ففي التحفة دلالة واضحة على أن الأجل يقابله قسط من الثمن وعبارتها في البيع شرط الأجل وشرطه أن يحدد بمعلوم. وأن لا يبتعد بقاء الدين إليه، وإلاّ بطل البيع للعلم حال البيع بقسوط بعضه، وهو يؤدي إلى الجهالة المستلزم للجهل بالثمن لأن الأجل يقابله قسط منه. وأن استدلال المانع للبيع المذكور بالأجل " كل قرض جر نفعاً فهو حرام " بالأصل المقرر، لا تقريب له، لأن ذلك إنما هو في القرض وهو عقد مستقل غير البيع، وعبارة عن إعطاء شيء شخصاً على اعتبار رد مثله إليه كأن يعطيه عشرة دراهم قرضاً أو قفيزاً من الحنطة مثلاً على
(1) " مجموعة فتاوى ابن تيمية " (29/501). اعتبار المار. فإنه لا يجوز للمقروض أخذ عشرة دراهم وفلس واحد، ولا قفيز حنطة ومُدٍّ بدل ما أقرضه لكون ذلك ربا، وكلامنا في البيع بغير الجنس نقداً أو عرضاً حالاً أو مؤجلاً وأين هذا من ذلك؟ وأما ما جاء في المنهاج من النهي عن بيعتين في بيعة، فمنشؤه اشتمال الصيغة على كلمة أو للترديد والتشقيق المستلزمة للجهالة والإبهام، وإلا فلو أن البائع بصفقتين كأن باع كيلو من السكر بدهم حالاً، وكيلو آخر بستين فلساً إلى شهر وقَبِل المشتري مع ذلك بلا شبهة(1). 3- فتوى الشيخ محمد رشيد رضا: حول شراء السلعة بأكثر من ثمن المثل إلى أجل فيجيب: أن هذا الشراء جائز وليس من الربا المحرم – والله اعلم –(2) . 4- فتوى الشيخ عبد الوهاب خلاف وفيها: سألني تاجر هل يحل شرعاً بيع الشيء بسعر أعلى لمن يدفع الثمن مؤجلاً(3). فأجبته: نعم يحل هذا شرعاً، وليس فيه شيء من الربا المحرم. فيحل شرعاً بيع الإردب من القمح بأربع جنيهات لمن يدفع الثمن حالاً، وبيعه بخمسة جنيهات لمن يدفع الثمن مؤجلاً.
5- فتوى الشيخ عبد العزيز بن بار: يقول ... فقد سئلت عن حكم بيع كيس السكر ونحوه إلى أجل بثمن أكبر من الثمن النقدي: والجواب عن ذلك أن هذه المعاملة لا بأس بها، لآن البيع النقد غير بيع التأجيل ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، فكان كالإجماه منهم على جوازها(4). 6- فتوى الشيخ بدر متولي عبد الباسط: سئل عن جواز قيام بيت التمويل الكويتي بشراء السلع والبضائع وبيعها لهم بالأجل وبأسعار أعلى من أسعارها النقدية.. فأجاب بقوله: إن ما صدر عن طالب الشراء يعتبر وعداً، ونظراً لأن الأئمة اختلفوا هلى الوعد ملزم – يعني قضاءً – أو لا، فإني أميل إلى الأخذ برأي ابن شبرمة رضي الله عنه الذي يقول: إن كل وعد بالتزام لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، يكون وعداً ملزماً قضاء وديانةً وهذا ما تشهد له ظواهر (1) " جواهر الفتاوى أو خير الزاد في الإرشاد" ، جمعها ورتبها الشيخ عبد الكريم ((2/23-25) طبعة سنة 1390هـ،1970م. (2) " فتاوى الإمام محمد رشيد رضا"، جمع وتحقيق : صلاح الدين المنجد، الجزء الخامس ص1882 فتوى رقم 690:دار الكتب الجديد بيروت ط1، 1971. (3) " مجلة لواء الإسلام " ص822 العدد 11 السنة الرابعة، رجب 1370هـ، أبريل 1951م. (4) " مجلة الإقتصاد الإسلامي" ص42، المجلد الأول، العدد 11 شوال 1402هـ، كلمات مختارة ص138،137.
النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والأخذ بهذا المذهب أيسر على الناس والعمل به يضبط المعاملات لهذا ليس هناك من تنفيذ هذا الشرط مانع(1). 1- فتوى "مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي": والذي اجتمع فيه تسعة وخمسون عالماً من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وقد عرضت على المؤتمر الصورة التالية: يتطلب المتعامل من المصرف شراء سلعة معينة يحدد جميع أوصافها، ويحدد مع المصرف الثمن الذي سيشتريها به المصرف المتعامل مع البنك بعد إضافة الربح الذي يتفق عليه بينهما. فجاءت توصية المؤتمر: يرى المؤتمر أن هذا التعامل يتضمن وعداً من عميل المصرف بالشراء في حدود الشروط المنوه عنها، ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بعد الشراء طبقاً لذات الشروط. عن مثل هذا الوعد ملزم للطرفين قضاء طبقاً لأحكام المذهب المالكي وملزم للطرفين ديانة طبقاً لأحكام المذاهب الأخرى. وما يلزم ديانة يمكن الإلزام به قضاء إذا اقتضت المصلحة ذلك وأمكن للقضاء التدخل فيه(2). 2- فتوى د.أحمد الشرباصي: السؤال: هل يعتبر البيع بالتقسيط حراماً، إذا كان مجموع الثمن المقسط يزيد عن ثمن السلعة إذا بيعت فوراً؟ الجواب: البيع يكون إما بثمن معجل، وإما بثمن مؤجل إلى اجل معين، وقد نص الفقهاء على جواز النوعين، ومن الواضح أن البيع بالتقسيط من قبيل البيع بثمن مؤجل... وبهذا يعلم أنه يجوز شرعاً بيع السلعة بثمن مؤجل رائد على ثمنها الحالي إذا كان الأجل معلوماً... فإذا كان الإنسان مثلاً يشتري شوال السماد بمائتين وخمسين قرشاً بثمن معجل فإنه يصح أن يشتريه بأربعمائة قرش بثمن مؤجل يدفعه بعد أربعة أشهر من تاريخ الشراء ويكون هذا البيع صحيحاً ولا شيء فيه(3). 3- فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: السعودية: السؤال: أراد رجل الزواج مثلاً، وليس عنده ما يكفي من مبلغ الصداق، فذهب إلى صاحب دكان فقال له أبيعك سيارة بسبعة آلاف ريال سعودي ديناً، تدفعها كاملة عند نهاية السنة فهل
(1) " مجلة الإقتصاد الإسلامي" ص34 المجلد الأول، العدد الثالث، صفر1402هـ، والفتوى صدرت في جمادى الآخرة 1399هـ. (2) " فتاوى مؤتمر المصرف الإسلامي الأول بدبي " المنعقد في المدة من 23-25 جمادى الثاني 1399، مجلة الإقتصاد الإسلامي، المجلد الأول، العدد الثالث، صفر 1402ههـ، ص35. (3) " يسألونك في الدين والحياة " أحمد الشرباصي ، المجلد الخامس (147)، الطبعة الولى: دار الجيل ، بيروت. هذا رباً، مع العلم أن قيمة السيارة نقداً عشرة آلاف وخمسمائة ريال سعودي فقط، وهذه السيارة هي التي اشترط عليها وهي محور الاشتراط ما بين البائع ومن يريد الزواج؟ الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من شراء شخص من آخر سيارة لأجل بثمن أكثر مما تباع به نقداً عاجلاً ليبيعها المشتري إلى من شاء سوى من باعها عليه ومن في الحكمة فليس ربا بل هو عقد بين صحيح وجائز..(1). 4- فتوى صادرة عن دار الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء: رداً على السؤال التالي: لدى السائل من يبيع السيارات بأقساط وعلى المبلغ المؤجل فوائد محددة لكنها تزيد بتأخير دفع القسط عن موعد تسديده فهل هذا التعامل جائز أم لا؟ وأجابت بما يلي: إذا كان من يبيع السيارة ونحوها إلى أجل يبيعها بثمن معلوم إلى أجل أو آجال معلومة زمناً وقسطاً لا يزيد المؤجل من ثمنها حداً يتجاوزه فلا شيء، وإن كان المؤجل كما هو مفهوم من السؤال يزيد بتأخر دفع القسط عن موعده المحدد بنسبة معينة فذلك لا يجوز بإجماع المسلمين لأنه ينطبق عليه ربا الجاهلية(2). 5- فتوى صادرة عن الهيئة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت: السؤال: ما هو رأي الشرع في البيع بالأجل، هل يسمح الشرع بأن يكون هناك سعر للسلعة في حالة بيعها بالتقد، وسعر آخر لنفس السلعة في حالة بيعها بالأقساط؟ الجواب: أنه لا مانع من أن يكون سعر البيع بالتقسيط أعلى من سعر البيع بالنقد الفوري، وللبائع أن يحتسب الأرباح التي يريدها بأي أسلوب حسابي..(3). 6- فتوى الدكتور عبد الحليم محمود وقد جاء فيها: لقد أباح جمهور الفقهاء أن يكون الثمن المؤجل أعلى من الثمن المدفوع فوراً، وذلك لأن الثمن المدفوع فوراً يمكن الانتفاع به في معاملات تجارية أخرى. أما الثمن المؤجل فإنه لا يتأتى فيه ذلك. وهذا النوع من المعاملات ليس داخلاً في نطاق الربا..(4).
(1) " فتوى رقم (7،1638/8/1397هـ). (2) " مجلة البحوث الإسلامية"، العدد السادس، رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ص 270، ربيع ثاني، جمادى 1،2-1403هـ. (3) " مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية" ص264، السنة الأولى ، العدد الأول، رجب 1404هـ، تصدر عن جامعة الكويت. (4) " فتاوى الشيخ عبد الحليم محمود" (2/301،300): دار المعارف.
1- فتوى مجلة " منار الإسلام": أجاب الشيخ موسى صالح شرف على سئال ورد إلى زاوية "منكم وإليكم" بالمجلة بتوقيع –مسلم، المغرب- يقول فيه: اعمل بإحدى الشركات، وتقوم بتوزيع المنازل على من يرغب في شرائها بطريقتين: الأولى أن يدفع الثمن فوراً، والثاني على أقساط تخصم من الراتب، والثمن بهذه الطريقة يفوق الثمن المؤدى فوراً، فهل الزيادة مشروعة ام لا؟ ااالجواب: يجوز للمسلم أن يشتري ويدفع الثمن فوراً، كما يجوز أن يؤخر دفع الثمن كله أو جزء منه إلى أجل بالتراضي مع الشركة أو صاحب الشيء المباع. وللبائع أن يزيد في الثمن الحالي. بشرط أن لا يستغل المشتري ويظلمه، والأصل في ذلك الإباحة. لم يرد نص في تحريمه على أن يحدد المشتري إن كان يريد نقداً أو بالتقسيط منذ البداية أن لا تكون الشركة يحسب الأقساط على أساس الربا. وأن لا يكون الثمن قابلاً للزيادة فيما لو عجز المشتري عن دفع الأقساط حينه(1). خامساً: مزايا البيع بالتقسيط وسلبياته: بعد أن استعرضنا أدلة الفقاء القائلين بجواز بيع التقسيط، والقائلين بعدم جوازه وترجح لدينا أن القول بجوازه هو القول الأقوى دليلاً، والأولى بالترجيح، والأجدر بالعمل به – بعد هذا – أرى إتماماً للفائدة أن نذكر فوائد هذه المعاملة وإيجابيتها، ومضارها وسلبياتها، فذلك يزيد إلى قناعتنا دليلاً، وإلى يقيننا يقيناً، بصحة القول المختار. اولاً: مزايا بيع التقسيط: 1- تقديم الشركات والمؤسسات التجارية والمحلات التجارية التسهيلات لذوي الدخل المحدود، ممن لا تسمح لهم مكاناتهم المادية بدفع أثمان السلع التي يحتاجون بثمن حال، وهذا من شأنه أن يرغبهم في الإقبال على التعامل معها، كما كان يعمل على ترويج السلع والبضائع كيلا تبقى مكدسة في مخازنهم(2). (1) مجلة " منار الإسلام "، تصدرها وزارة الأوقاف بدولة الإمارات، العدد الرابع، السنة الحادية عشرة ، ربيع الآخر، 1406هـ، يناير 1986م، ص 47. (2) " العقود المسماة "،د.أنور سلطان، 28، شرح عقد البيع في القانون المدني الكويتي، د.عباس الضراف:76 دار البحوث العلمية بالكويت 1395هـ، 1975م، شرح القانون التجاري د.على العريف:208 مطبعة أحمد مخيمر ط2 1959. العقود التجارية : على حسن يونس (55) دار الفكر العربي، البيع بالتقسيط والبيوع الائتمانية (6)، العقود الشائعة أو المسماة وعقد البيع (214)،د.جاك حكيم، مطبعة محمد نهاد الكتبى ، دمشق.
2- التغلب على المشكلة التي تواجه كثيراً من الناس – لا سيما الفئات ذات المرتبات المتدينة – والمتمثلة في القدرة على التوفير والادخار، لأن ضيق ذات اليد وكثرة المطالب من جهة، وعدم توافر الإرادة التي لا غنى للإنسان عنها للادخار قد تحول دون هذه الغايه(1). 3- إرضاء رغبة لدى الإنسان في الحصول على الشيء الذي يريد دون انتظار، فالتعامل بالتقسيط يشجع المشتري على الإقدام على الشراء(2).
ثانياً: سلبيات البيع فأبرزها: 1- ما يقع من مشكلات بين البائع والمشتري تنشأ في حالة عجز المشتري عن سداد الأقساط كلياً أو جزئياً، وذلك بسبب تعذر استرداد البائع للسلعة، أو حصوله على حقه فالبائع يحول معظم أمواله إلى ديون على الغير لا تتوفر فيها ضمانة جدية فإذا عجز معظم المشترين عن الوفاء بسبب أزمة اقتصادية ضيع أمواله وعجز عن الوفاء لدائنه وانعكس ذلك على الوضع الاقتصادي برمته. ويجاب عن هذه السلبية: بأن الأحكام التي شرعت يقصد ضبط علاقة البائع بالمشتري في حالة البيع بالأجل، والتي تبين بدورها كل منهما والتزاماته إزاء الآخر من شأنها أن تتغلب على هذه المشكلات. على أن هذه المشكلات ليست قاصرة على البيع بالتقسيط بل قد توجد في البيع المنطلق والإجارة وغيرها من العقود. 2- ان سهولة الحصول على السلعة والدفع قد تغري المشتري بالشراء لا سيما لسلع قد لا تكون ضرورية مما يثقل كاهله بالدين ويربك ميزانية أصحاب الدخول المحدودة إذا تنوعت الأقساط التي يلتزمون بها، ويكرس روح الاستهلاك في المجتمع، وهذا يتنافى مع توجيهات الإسلام إلى عدم التوسع في الاستهلاك، والمبالغة في الإنفاق لا سيما في الأمور التحسينية(3). ويجاب عن ذلك بأن المسلم في تصرفاته عموماً ومعاملاته المالية على وجه الخصوص لا يطلق لنفسه العنان كي يسترسل على هواه، بل هو محكوم فيما يأتي ويدع بتوجيهات الشرع وأحكامه التي تدعوه أن يكون معتدلاً في إنفاقه حتى في حالة اليسار (والذين أنفقوا لم يسرفوا
(1) ، (2) " شرح القانون التجاري " ( 1/208). (3) " هامش الوسيط " للدكتور السنهورى (4/173)، العقود التجارية (55)، العقود الشائعة (15/2).
ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) فأنى للمسلم وهو الذي يتمتع بالأفق الواسع، والعقل الراجح، فلا تستخفه شهوة، ولا يمد عينيه إلى متاع الدنيا وزهرتها إلى حدود المباح المعقول أن يغرق نفسه في الديون التي يعلم أنه سيؤديها ولو بعد حين، وأن يقع تحت وهم سهولة الحصول على السلعة عاجلاً. 1- أن هذا النوع من هذا البيع يدفع التاجر إلى رفع سعر السلع حتى يواجه احتمال إعسار المشتري وبخاصة في أوقات الانكماش الاقتصادي(1). ويجاب عن هذا، بأن التاجر الذي يرتضي لنفسه هذا النوع من التعامل لا بد أن يكون على علم بطبيعته ومقتضاه، ويدرك أن سيقتصي إثمان السلع التي يبيع مؤجلة، ولأجل هذه الاعتبارات رخّص له الشرع بأن يزيد من ثمن السلعة عن الثمن المعجل تعويضاً له عن حرمانه من استثمار ثمنها بسبب التأجيل، ولكن على أن تكون الزيادة في الحدود المقبولة شرعاً وإلاّ انقلب إلى الريح الفاحش الذي يحرمه الشرع. علاوة على أن إغلاء السعر لا يختص بالبيع بالتقسيط، فقد يربح التاجر ربحاً فاحشاً وإن كان يبيع بثمن حال، متى غابت من ضميره رقابة الله سبحانه وتعالى، وفقدت من قلبه الرحمة وبعباده. 2- أن البيع بالتقسيط يتضمن خطراً بالنسبة للبائع، لأن المبيع تنتقل ملكيته إلى المشتري ويصبح البائع دائناً في حين يكون للمشتري التصرف في المبيع. ولذلك أجاز القانون المدني للبائع أن يتطلب فسخ البيع واسترداد المبيع في حالة امتناع المشتري عن الوفاء بباقي الأقساط(2) ويقال جواباً عن هذه السلبية: إن الضمانات التي منحها الشرع للبائع في حالة حدوث مثل هذا الخطر المتوقع تكفل التغلب على المشكلة وعلاجها. 3- أنه في حالة إفلاس المشتري لا يحق للبائع وفق القانون التجاري طلب الفسخ والاسترداد لسلعته ويقتصر أمره أن يكون دائناً عادياً يدخل بالباقي من الثمن في التفليسة، ويخضع لقسمة الغرماء تحقيقاً للمساواة بينهم(3). ويجاب عن ذلك: بأن للبائع بالتقسيط من مال في ذمة المشتري لا يختلف عن سائر الديون
(1) " هامش الوسيط " (43/173). (2) " بيع التقسيط والبيوع الائتمانية "(24). (3) " العقود التجارية " (57) ، العقود المسماة (215). التي يتحملها لغيره من الغرماء، فلا معنى لتمييزه، لا سيما وأنه أقدم على هذا الضرب من التعامل بمحض اختياره فهو بالتالي مهيئاً لتحمل نتائجه والتعامل معها بصورة إيجابية. ومن هنا نرى أن سلبيات البيع بالتقسيط – إن وجدت أو وجد شيء منها – فهي طفيفة ضئيلة إزاء المزايا والإيجابيات التي ذكرناها له، كما أنها في أكثرها مبالغ فيها، مما يعزز ما ذهبنا إليه القول بمشروعية البيع بالتقسيط وحلّ التعامل به – إن شاء الله تعالى - . سادساً: رأي القانون في جواز البيع بالتقسيط: علمنا مما تقدم أن القول بجواز البيع بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال مقسطاً كان او غير مقسط هو ما ذهبت الجمهرة العظمى من الفقهاء إليه
(1). والقانون الوضعي يتفق مع الحكم الشرعي في هذا الإتجاه: جاء في الوسيط " يقع كثيراً أن يبيع شخص عيناً بثمن مقسط... وأكثر ما يقع ذلك في بيع السيارات والآلات الميكانيكية .. وفي بيع المحلات التجارية والأراضي والدور.. فيجمع إلى أصل الثمن وفوائده، ويقسم المجموع أقساطاً على عدد الشهور أو السنين، إذا وافاها المشتري جميعها خلصت له ملكية البيع"(2). فقد ذكر أنه مضاف إلى الثمن الحال فوائده... وإذا كانت الفوائد هي ما تستعمله القوانين الوضعية من اصطلاح للتعبير عن الفرق بين الثمن المعجل والمؤجل لأنها تقر مبدأ الفائدة الربوبة... فإ، ما يقابل ذلك في اصطلاح الشرع هو زيادة الثمن بالنسيئة عنه في النقد مقابل الأجل. فإذا كان الشرع لا يوافق القانون التسمية والحكم، فلا ريب أن القانون يوافق الشرع على أصل الفكرة وهي زيادة الثمن نظير الأجل. على أننا ينبغي أن نلاحظ أنه إن كان المراد بالفائدة – الزيادة – مع اختلاق الجنسين، كأن يبيع شخص لآخر شقة مثلاً بعشرين ألف دينار يدفع عشرة آلاف حالاً ويدفع العشرة المتبقية مع زيادة مقدار (كذا) على كل قسط لقاء الأجل فإن من العلماء من يرى جواز ذلك: يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف جواب عن سؤال نصه: إذا اشترى إنسان ألف متر من الأرض للبناء مثلاً بألفي جنيه على أن يدفع في الحال ربع ثمنها والباقي يدفعه أقساطاً سنوية (1) انظر ص 52 هامش 2. (2) " الوسيط " للسنهورى (4/172).
لمدة خمس عشرة سنة كل قسط مائة جنيه على أن يدفع المائة مائة وخمسة أو ستة فأجاب: بعض المسلمين قالوا هذا حرام لأن هذه الخمسة فائدة وهي ربا محرم، وأنا أخالف في هذا وأقرر أن هذه الخمسة أو الستة ليست ربا الفضل الوارد بالسنة وإنما هي حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين سعر المبيع إذا بيع حال وسعره إذا بيع بثمن مؤجل. ويقول" وزارة الأوقاف تبيع الأرض في مدينة الأوقاف على هذه الصورة: يدفع المشتري في الحال خمس الثمن ويدفع الباقي على خمسة عشر قسطاً، منها عشرة أقساط يدفع المشتري فوق كل قسط ثلاثة أو أربعة في المائة منه، وسمتها فائدة ولهذا اعترض عليها بعض المسلمين فسمتها بدل بيع، وأخيراً صرحت بالحقيقة وجعلت في وقت للمزايدة سعرين: سعراً للمتر لمن يدفع الثمن كله في الحال، وسعراً أعلى للمتر لمن يدفع بعض الثمن في الحال والبقية على آجال. والفرق يساوي مجموع ما كان يضاف على الأقساط(1). ويبدو لي أن ما ذهب إليه الشيخ – رحمه الله – من جواز إفراد الزيادة على القسط الشهري بالذكر أو غير مستساغ شرعاً، بخلاف ما لو أدمجت الزيادة التي تقابل الأجل مع المبلغ الإجمالي للسلعة لو تتميز، كما لو قال البائع للمشتري: أبيعك هذه الشقة بعشرين ألفاً، تدفع نصفها فوراً ويقسط الباقي على أشهر معلومة، وكان قد أضاف الزيادة التي تقابل التأجيل إلى العشرين ألفاً فإن البيع يجوز. في حين لو قال له: رأس مالها خمسة عشر ألفاً وتدفع كذا فوراً والباقي على أقساط، ويضاف إلى كل قسط زيادة مقدارها كذا – وهي الصورة التي أفردها الشيخ – فإن ذلك لا يجوز، لأن هذه الزيادة لا معنى لها حينئذ إلا الربا المحرم. والله تعالى أعلم. المبحث الرابع : أحكام التقسيط: المطلب الأول: شروط البيع بالتقسيط:من المعلوم أن لعقد البيع المطلق شروطا ً فصلتها كتب الفقه الإسلامي ، غير أن البيع بالتقسيط يختص ببعض الشروط المرتبطة بطبيعته أهمها ما يأتي: أولاً: أن يكون الأجل أو الآجال فيه معلومة: فلما كان الأجل عنصراً أساسياً في بيع التقسيط لأنه قسيم البيع المطلق أو الحال الذي يدفع الثمن في فوراً، فسنتكلم عن العلم (1) مجلة " لواء الإسلام " (ص903)،عدد مايو 1951، فتوى الشيخ عبد الوهاب خلاف. بالأجل من حيث الاعتبارات التالية: 1- معناه: من اللازم أن يكون أجل دفع كل قسط في هذا البيع معلوم الوقت عند كل العاقدين، لأن جهالته تفضي إلى النزاع فيفسد البيع. والظاهر من عبارة جمهور الفقهاء أن أجل الدفع إذا كان مجهولاً فإن البيع يفسد سواء أكان الجهالة يسيرة أم فاحشة، فإذا حدد دفع كل حصة بآخر الشهر مثلاً صح فاتفاق نظراً للعلم النافي للجهالة، أما إن كان وقت الدفع مجهولاً جهالة فاحشة كما لو حدده بنزول المطر مثلاً فهذا باطل باتفاق. أما إن كانت الجهالة يسيرة كالتحديد بالحصاد فالبيع باطل عند الجمهور أيضاً، لأن الفاحشة فيها غرر الوجود والعدم، واليسيرة مما يتقدم الأجل فيها ويتأخر؛ فيؤدي إلى المنازعة فيوجب فساد البيع. وقال بعض الحنفية بالجواز إن كانت الجهالة ليست فاحشة نظراً لأن الحصاد لا يكون في كل وقت بل في مدة من الزمن محدودة يتردد وقوعها بين أولها وآخرها(1). وقد ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في الصحيح في المذهب إلى تأجيل الثمن إلى أجل مجهول يبطل العقد(2) وذهب الحنفية إلى أن البيع لا يبطل بالجهالة اليسيرة كقدوم الحاج والحصاد(3). وذهب أحمد في رواية عنه، وهو قول ابن شبرمة إلى أن العقد صحيح ويبطل التأجيل(4). دليل الجمهور: إن هذا شرط فاسد، والبيع يبطل بالشروط الفاسدة، وأنها مدة ملحقة بالعقد فلا تجوز مع الجهالة(5). دليل الحنفية: أن الجهالة مانعة من لزوم العقد، وليست في صلبه، بل في أمر خارج هو الأجل، فإذا زال المانع قبل وجود ما يقتضي الفساد وهو المنازعة عند المطالبة الحاصلة عند مجيء الوقت ظهر محل المقتضى وهو انقلابه صحيحاً(6). (1) " بدائع الصنائع " (7/3039)، " المبسوط "(13/27،26)،" الفتاوى البزازية" (4/404)، " المجموع" (9/373)، "كشاف القناع"(3/203،194)، " الفروع" (4/85)، "حاشية قليوبى وعميرة"(2/177)، "شرح النيل" (4/4)،" حاشية الدسوقي"(2/67). (2) " الدسوقي على الشرح الكبير" (2/123)، "حاشية قليوبى وعميرة"(2/178)، "المغني"، (3/589). (3) " الهداية " (2/33)، " فتح القدير" (6/455). (4) " المغنى" (3/589). (5) المراجع في هامش (2). (6) " فتح التقدير" ( 6/455).
دليل رواية الحنابلة الثانية قوله صلى الله عليه وسلم :" المسلمون على شروطهم"، ولأن الأجل مجرد وصف للعقد لا ركن فيه فيلغى ويصح العقد، ولأن الفساد للمنازعة وقد ارتفع قبل تقرره(1) والراجح ما ذهب إليه الجمهور من القول ببطلان هذا العقد، لأن المفسد هو الشرط وهو مقترن بالعقد، ولأن العقد لا يخلو عن أن يكون صحيحاً أو فاسداً، فإذا كان صحيحاً مع وجود الأجل لم يفسد باشتراطه، وإن كان فاسداً لم ينقلب صحيحاً كما لو باع درهماً بدرهمين ثم حذف أحدهما. جاء في المادة (246) من مجلة الأحكام العدلية: يلزم أن تكون المدة معلومة في البيع بالتقسيط والتأجيل، وفي المادة (247): إذا عقد البيع على تأجيل الثمن إلى كذا يوماً أو شهراً أو سنة أو إلى وقت معلوم عند العاقدين كيوم قاسم ويوم النيروز صح البيع إذا كان قاسم أو النيروز معلوماً عند المتبايعين، أما لو كان مجهولاً عندهما أو عند أحدهما فقط فلا يصح. وفي المادة (248): تأجيل الثمن إلى مدة غير معينة كأمطار السماء يفسد البيع(2) أما القانون الوضعي ففي المادة (283) من القانون الأردني: الثمن في البيع المطلق يستحق معجلاً ما لم يتفق على أ, يتعارف على أن يكون مؤجلاً أو مقسطاً لأجل معلوم، وفي المادة (574) مدني عراقي " يصح البيع بثمن حال إلى أجل معلوم". وهاتان المادتان وإن ذكرتا الأجل في ظاهر النص، وأوجبنا أن يكون أجل ثمن المبيع معلوماً، إلا أنه ليس فيهما ما يدل على أن عدم ذكره يبطل العقد. فلم يقصد بهما مخالفة القواعد القانونية العامة، ومن ثم يفسر النص على أنه ذكر حكم البيع بثمن مؤجل إلى أجل معلوم، وسكت عن حكم البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول، فيرجع إلى القواعد القانونية العامة وهي تجيز البيع بثمن مؤجل إلى أجل مجهول. ومن هنا نرى أن الاتجاه القانوني يخالف الاتجاه الفقهي الإسلامي من حيث تحديد أجل معلوم للثمن، ففي حين يشترط الفقه ذلك، ويتشدد فيه، ويبطل العقد عند انعدامه، فإن القوانين المدنية تسمح بقدر من الغرر لا تسمح به الشريعة الإسلامية. ولا ريب أن نظرة (1) " كشاف القناع " ( 3/190) ، " المغنى " (3/590). (2) " شرح مجلة الأحكام العدلية"، منير القاضي (1/280-282)،درر الحكام شرح مجلة الأحكام، حيد مجلة 1 ج (2/473)، " النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية"، صبحي محمصاني، (473): دار العلم للملايين، بيروت ، ط2 1972م. الفقه الأكثر سداداً وهي الأحق بالعمل بها(1). وهذا هو قول أبي حنيفة. وقال الصاحبان: الحالان سواء، ولا يعطى المشتري أجلاً في الحالة الثانية لأن السنة المطلقة تنصرف إلى سنة تعقب العقد بلا فصل، فإذا مضت انتهى الأجل، كما لو عين الأجل نصاً(2). وإلى هذا ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة حيث اعتبروا ابتداء الأجل من وقت العقد(3). وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية برأي أبي حنيفة. ففي المادة (250) يعتبر ابتداء مدة الأجل والقسط المذكورين من وقت تسليم المبيع(4). كما نصت المادة (484) من القانون الأردني على أنه إذا كان الثمن مؤجلاً أو مقسطاً فإن الأجل يبدأ من تاريخ تسليم المبيع، وفي المادة (574) من القانون العراقي يعتبر ابتداء الأجل والقسط المذكورين فيعقد البيع وقت تسليم المبيع ما لم يتفق على غير ذلك"(5). وما قلناه من ابتداء الأجل من وقت التسليم عند أبي حنيفة مشروط بما إذا لم يكن للمشتري خيار فإن كان في البيع خيار للشرط لهما أو لأحدهما فابتداء الأجل من حين وجوب العقد وهو وقت سقوط الخيار لا حين وجوده لأن تأجيل الثمن هو تأخيره عن وقت وجوبه ووقت وجوبه هو وقت العقد وانبرامه لا قبله. وهذا قول أبي حنيفة. وبه قال إمام الحرمين من الشافعية، لأن الخيار يمنع من المطالبة بالثمن كالأجل فكان قريباً والخيار تأجيل لإلزام أو نقله والأجل تأخير المطالبة، فكان معناه ولا سبيل إلى جمع المثلين(6). وقال الشافعية والحنابلة ابتداء الأجل ومن وقت العقد – على الراجح من مذهبهم(7). وإلى هذا المعنى ذهبت الماده (250) من المجلة. 2- انتهاء الأجل؛ إذ باع رجل لآخر سلعة بثمن مؤجل أو مقسط، فإن الأجل يحل في الحالات التالية:
(1) " نظرية الأجل " (187) ، " أحكام عقد البيع "(287). (2) " بدائع الصنائع" (7/3261،3093)،" الفتاوى البزازية" (4/511). (3) " المجموع " (9/214)، " كشاف القناع " (3/203). (4) " مجلة الأحكام العدلية" ، منير القاضي (1/284). (5) " أحكام عند البيع " (286). (6) " بدائع الصنائع " (7/3662). (7) " المجموع " (9/215)، " كشاف القناع" (3/204).
(أ) حلول الأجل: فإذا باع السلعة على أن يدفع المشتري مقداراً معيناً من الثمن في نهاية كل شهر مثلاً، فإن الأجل ينتهي لكل قسط بانقضاء الشهر. وقبل ذلك لا يحق للبائع أن يطالب المشتري بالثمن لأن رضاه بالتأجيل رضي بتأخير حقه إلى الموعد المضروب. (ب) موت المشتري وإفلاسه: فإذا توفى المشتري حل الثمن المؤجل، ولا يحل بموت البائع، لأن الأجل يبطل بموت المدين دون الدائن، ووجه ذلك: أن فائدة التأجيل تظهر في أن يتجر المشتري فيؤدي الثمن من نماء المال، فإذا مات تعين المال الذي تركه لقضاء الدين فلا يجدي التأجيل(1). وإذا أفلس المشتري في البيع المؤجل وعجز عن أداء الثمن فلا يفسخ العقد، لأنه يجوز للشخص أن يشتري سلعة بقرض حالاً وإن لم يكن في ملكه، نعرف أن وجوب تسليم الثمن ليس من حكم العقد، والعجز عن تسليم الثمن إذا طرأ بالإفلاس لا يكون أقوى من العجز عن تسليم الثمن إذا اقترن بالعقد(2). 3-شروط التأجيل: يشترط لصحة التأجيل والتقسيط ما يأتي: (أ) أن يكون الثمن من نوع الديون، فإذا أجل تسليم المبيع المثلى إلى الثمن المعين بأن قال: اشتريت بهذه الدراهم على أن أسلمها في وقت كذا فالبيع باطل. لأن التأجيل إنما جاز لضرورة عدم وجود الثمن لدى المشتري وتمكيناً له من اكتسابه في مدة الأجل، ولا ضرورة في الأعيان، فكان التأجيل فيها تغييراً لمقتضى العقد فأوجب فساده(3). (ب) أن لا يكون الثمن بدل الصرف، ولا ثمن مسلم فيه في بيع السلم، لأنه يشترط فيهما قبض الثمن في المجلس، فلا يمكن التأجيل سداً لذريعة الربا(4).
(ج) أن لا يكون في السعر غبن فاحش، فعلى البائع أن تقتصر على الربح الذي جرى به العادة وأن لا يستغل ظروف المشتري الحرجة ليبيعه بأضعاف مضاعفة، لأن هذا من الجشع والطمع والإضرار بالناس وأكل أموالهم بالباطل(5). (و) العلم بالثمن الأول إذا كان البيع بالتقسيط، يقع في نطاق بيوع الأمانة كبيع المرابحة والتولية (1 ) " الفتاوى البزازية " (4/512،511)، " الأشباه والنظائر" لابن نجيم (2/212)، "الأم" ( 3/88)، المغنى" (4/485). ( 2 ) " المبسوط " (13/198). ( 3 ) " بدائع الصنائع " (7/4083-84)، " المجموع" (9/373). ( 4 ) " الفتاوى البزازية" (4/398). ( 5 ) " مجموعة فتاوى ابن تيمية " (29/496)،" الإسلام وثقافة الإنسان" (397)،" الحلال والحرام"، القرضاوي(147)،" مجلة لواء الإسلام"(822) عدد 11 السنة الرابعة، رجب 1370هـ،1951م، "مجلة الإقتصاد الإسلامي"، المجلد الأول، العدد 11 شوال 1402هـ،" مجلة البحوث الإسلامية" العدد السابع 1403هـ، فتوى رقم 71. أو المواضعة، فإذا لم يكن معلوماً فالبيع فاسد لجهالة الثمن(1). (هـ) أن لا يشترط في عقد البيع بالتقسيط أنه إذا عجل المشتري الثمن فإن البائع يسقط من المطلوب قدراً معيناً. ويحق للبائع إسقاط بعض الثمن دون اتفاق مسبق ويكون ذلك من قبيل تمليك الدين ممن هو عليه، ومن باب حسن الاقتضاء(2). (و) لا يجوز في عقد البيع بالتقسيط أن يشتري البائع على المشتري – سواء عند العقد أم بعده – أن يزيد في الثمن أو الربح عندما يتأخر المدين عن الوفاء بالدين(3). (ز) أن يكون غرض المشتري من شراء السلعة بثمن مؤجل أعلى من المعجل سد حاجته إليها، أو الاتجار بها، أما إذا كان يقصد من ذلك بيعها لحاجته الماسة إلى مبلغ من المال لقضاء بعض مصالحه، وهي ما تعرف بمسألة عدم الجواز، لما روى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سئل عن التورق فقال: هو أخية الربا(4). وهناك بعض الشروط التي انفرد القانون الوضعي بذكرها لبيع التقسيط: 1- أن يكون البائع تاجراً، ومعتاداً على بيع السلعة بالتقسيط، أو يشكل البيع بالتقسيط أحد أعماله الأساسية(5). 2- أن لا يقل رأس ماله عن خمسة آلاف جنيه مصري أو ما يعادلها لغرض إكسابه مركزاً مالياً يمنعه من التعسف(6). 3- أن يتوفر لديه سجل خاص لقيد العمليات المتعلقة بهذا البيع، وفق النموذج الذي تقره وزارة التجارة(7). 4- أن يكون عقد البيع محرراً على نسختين، وذلك حسماً لمادة النزاع الذي ربما ثار بين المتعاقدين(8). 5- أن يستوفي البائع ما لا يقل عن 25% من ثمن السلعة نقداً عند التسليم بقصد حماية المشتري(9). (1) الفتوى الصادرة عن الهيئة العامة للفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية رقم (61/81)، نشرتها مجلة الشريعة (ص264) العدد الول ، السنة الأولى. (2) " فتوى الهيئة العامة بوزارة الأوقاف الكويتية"، نظرية الأجل، د.عبد الناصر العطار (271). (3) " فتوى الهيئة العامة بوزارة الأوقاف الكويتية" رقم (61/81). (4) " مجموعة فتاوى ابن تيمية " (29/486). (5) " العقود التجارية " (60-63)، القانون التجاري، رضا عبيد (68-70) " شرح القانون التجاري"، د.علي الصريف (1/213،212) ، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية (2/473). (6-9) المراجع السابقة .
1- أن لا يقل القسط عن جنيه شهرياً، وأن لا تزيد مدة التقسيط المتبقي ثمن البيع عن سنتين من تاريخ العقد(1). 2- أن تكون أقساط الثمن متساوية في المقدار، وأن تكون منتظمة وتؤدى خلال فترة معقولة(2). وهذه الشروط لا تأباها نصوص الشريعة وقواعدها العامة كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) وقوله صلى الله عليه وسلم :"المسلمون على شروطهم ..." وقاعدة : المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار: الضرر يزال، كما أشار ابن عابدين في حاشيته إلى بعض هذه الشروط(3). المطلب الثاني : مقتضى البيع بالتقسيط وتبعاته: مقتضى عقد البيع انتقال ملكية المبيع للمشتري، وملكية الثمن للبائع. ولما كان الثمن في البيع بالتقسيط مؤجلاً، فعليه لا يتم قبضه عند التعاقد، غير أن ذلك لا يعطي البائع حق الامتناع من تسليم البيع. جاء في المجموع شرح المهذب ( قال أصحابنا: للمشتري الاستقلال بقبض المبيع بغير إذن البائع إذا كان دفع الثمن ، أو كان مؤجلاً...)(4). وقال موضع آخر " ولو باع بشرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن ، فإن كان الثمن مؤجلاً بطل العقد، لأنه يجب تسليم المبيع في الحال، فهو شرط مناف لمقنضاه"(5). ومعلوم أن مقتضى العقد هو تملك المبيع بمجرد تمامه. وقال الكاساني في عداد حديثه عن الشروط الفاسدة في عقد البيع... ومنها شرط الأجل في المبيع العين والثمن العين، وهو أن يضرب لتسليمها أجل، لأن القياس يأبى التأجيل أصلاً، لأنه تغيير مقتضى العقد، لأنه عقد معارضة تمليك وتسليم بتسليم. والتأجيل ينفي وجوب التسليم للمال فكان مغيراً لمقتضى العقد. وإنما جاز التأجيل لصاحب الأجل لضرورة العدة ترفيهاً وتمكيناً له عن اكتساب الثمن في المدة المضروبة، ولا ضرورة في الأعيان فيبقى الأجل فيها تغييراً محضاً لمقتضى العقد فيوجب فساد العقد(6). (1) المراجع السابقة. (2) بيع التقسيط (13). (3) " حاشية ابن عابدين "(4/533). (4) " المجموع " (9/295). (5) " المجموع" (9/412). (6) " بدائع الصنائع" (7/3084،3083). وقال في موضع آخر ومن آثار عقد البيع: ثبوت حق الحبس للمبيع لاستيفاء الثمن في الثمن الحال، فإن كان مؤجلاً لا يثبت حق الحبس، لأن ولاية الحبس تثبت حقاً للبائع لطلبه المساواة عادة، ولما باع بثمن مؤجل نقداً سقط حق نفسه فبطلت الولاية، وكذا الحكم لو كان الثمن حالاً فأجله البائع بعد العقد(1). ويقول " إذا أخر – البائع – الثمن بعد العقد بطل حق الحبس، لأنه أخر حق نفسه في قبض الثمن فلا يتأخر حق المشتري في قبض المبيع وكذا لو قبض المشتري المبيع بإذن البائع بطل حق الحبس حتى لا يملك الاسترداد لأنه أبطل حقه بالإذن بالقبض"(2). وجاء في المبسوط " إذا لم يصل إلى البائع جميع الثمن يبقى له الحق في حبس المبيع إلا أن يكون الثمن مؤجلاً، فحينئذ ليس له أن يحبس المبيع قبل حلول الأجل، ولا بعد حلول الأجل، لأنه قبل حلول الأجل ليس له أن يطالب بالثمن، وإنما بحبس المبيع بما له أن يطالبه من الثمن، وأما بعد حلول الأجل فلأن حق الحبس لم يثبت له بأصل العقد فلا يثبت بعد ذلك تبعاً بهذا الحق ما كان له من استحقاق إليه قبل البيع، فإذا لم يبق ذلك بعد العقد، لا يثبت ابتداء بحلول الأجل(3). وجاء في المدونة: (قلت) أرأيت لو أني أشتريت من رجل ثوباً بعينة بعشرة دراهم إلى أجل، فافترقنا قبل أن أقبض الثوب منه، أيجوز هذا في قول مالك؟ (قال): نعم والبيع جائز، وللمشتري أن يأخذ ثوبه، ولا يفسد البيع افتراقهما، لأنه لم يمنع من أخذه منه، لأن الثمن إلى أجل، وليس للبائع أن يحبس الثوب ويقول لا أدفعه حتى آخذ الثمن(4). وفيها أيضاً: ( قلت ) أرأيت لو اشتريت منه سلعة بعينها بدين إلى أجل فافترقنا قبل أن أقبض، أيجوز هذا في قول مالك أم لا؟ ( قال ) لا بأس بذلك في قوله وليقبض سلعته، لأن مالكاً كره أن يشتري الرجل الطعام كيلاً بدين إلى أجل والطعام بعينه، ثم يؤخر كيل الطعام إلى الأجل البعيد(5). وفي المغنى: ويصح القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع وبغير اختياره، لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن...(6) وهذا حال كون الثمن معجلاً، ففي المؤجل أولى.
(1) " بدائع الصنائع " (7/3261). (2) " بدائع الصنائع " ( 7/3265). (3) " المبسوط " (13/193-192). (4) " المدونة الكبرى " للإمام مالك بن أنس ( 4/153)، دار صادر، بيروت. (5) " المدونة الكبرى " (4/154). (6) " المعنى " (4/126".
|