الفوائد والربا
موسوعة الفوائد والربا

البيوع المحرمة
حكم البيع بالتقسيط
حكم البيع بالتقسيط 2
الصوتيات
دفتر الزوار
للإتصال بنا
باب في حكم البيع بالتقسيط وهل يلحق ببيعتين في بيعة(1)؟
وفي مباحث:
المبحث الأول : معنى التقسيط لغةً وشرعاً:
اولاً: في اللغة:
يطلق التقسيط في اللغة على معانٍ منها:
1- التفريق وحمل الشيء أجزاء، ويقال: قسط الشيء أي فرقه وجعله أجزاء، والدّين جعله أجزاء معلومة تؤدي في أوقات معينة(2).
2- الاقتسام بالسّوية: يقول الليث: تقسطوا الشيء بينهم أي اقتسموه بالسّوية. وفي العباب على القسط والعدل. وفي اللسان على العدل والسواء(3).
فهو بهذا المعنى تجزئة الشيء إلى أجزاء متماثلة، كتأجيل دين بخمسمائة دينار إلى خمسة أسابيع على أن يدفع منه مائة دينار كل أسبوع(4).
3- التقتير: يقال: قسط على عياله النفقة تقسيطاً إذا قترها عليهم. وقال الطرماح:
كفاه كف لا يرى سبيها
مقسطا رهبة إعدامها(5)
4- والقسط الحصة والنصيب: يقال: تقسطنا الشيء بيننا أي أخذ حصته ونصيبه. ويقال: وفاه قسطه أي نصيبه وحصته(6).
ومن خلال استعراضنا لهذه المعاني يظهر أن المعنيين الأول والثاني هما اقربهما إلى المعنى الشرعي الاصطلاحي لبيع التقسيط. فهما يفيد أن تفريق الشيء إلى أجزاء على وجه من العدل والمساواة،
(1) بحث في حكم البيع بالتقسيط للدكتور محمد عقلة الإبراهيم نشرته مجلة الشريعة العدد السابع ( ص135-219) (تصدر عن جامعة الكويت).
(2) لسان العرب، المجلد السارع، فصل القاف، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، (1388هـ-1968م).
المعجم الوسيط، المكتبة العلمية، طهران، فعل قسط.
المصباح المنير، مطبعةمصطفى الحلبي، معجم متن اللغة، لأحمد رضا – باب القاف – فعل قسط.
المعجم العربي الحديث، خليل الحر، باب القاف، فعل قسط.
(3) تاج العروس، المجلد الخامس، فصل القاف من باب الطاء، قسط: دار ليبيا للنشر، بنغازي، القاموس المحيط: الفيروزبادي، فصل القاف، باب الطاء.
(1) درر الحكام شرح مجلة الأحكام: مكتبة النهضة، بيروت، بغداد.
(2) تاج العروس، لسان العرب، المعجم الوسيط.
(3) " الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، إسماعيل بن حماد الجوهري – تحقيق: أحمد عطا عبد الغفور – المجلد الثالث – الطبعة الأولى: دار العلم للملايين، القاهرة، 1979.
وإذا كان الشيء المقسط هو الدّين فالمراد جعله أجزاء معلومة تؤدى في أوقات معينة.
ثانياً: في الاصطلاح الشرعي:
من المعاني التي يمكن اعتبارها بياناً للمراد ببيع التقسيط في المفهوم الشرعي:
"أن يبيع التاجر السلعة مدفوعة الثمن فوراً بسعر، مؤجلة أو مقسطة الثمن بسعر أعلى"(1).
" التقسيط : تأجيل أداء الدّين إلى أوقات معينه"(2).
" الثمن المقسط هو ما اشترط أداؤه أجزاء معلومة في أوقات معينة"(3).
ويبدو للناظر في هذه المعاني أن بيع التقسيط من المنظور الشرعي هو بيع السلعة بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحال، على أن يكون دفع الثمن مفرقاً إلى أجزاء معينة، وتؤدى في أزمنه محددة معلومة.
· بين التأجيل والتقسيط:
لما وضح لنا في ضوء المعنى الشرعي لبيع التقسيط أن عامل الأجل عنصر أساسي فيه ناسب المقام أن نبين العلاقة بين التأجيل والتقسيط.
فالتأجيل هو تأخير دفع ثمن السلعة إلى زمن مستقبل سواء كان ذلك الزمن شهراً أم عاماً، وسواء اكان البائع يقبض الثمن جملة واحدة أم على دفعات. أما التقسيط فهو تأجيل دفع الثمن على أن يقبضه المشترى على دفعات.
وعليه، يمكن القول بأنه يوجد بين التأجيل والتقسيط علاقة عموم وخصوص مطلق، ففي كل تقسيط تأجيل، فالتأجيل هو العموم المطلق، وقد يكون في التأجيل تقسيط وقد لا يكون.فالتقسيط أخص من التأجيل(4).
المبحث الثاني : صورة المسألة:
أن بيع التقسيط يحقق مصلحة تعود على كل من البائع والمشتري، إذ تتمثل مصلحة البائع في تيسير السبل وفتح الأبواب لنفاق(*) سلعته وواجبها، أما المشتري فتظهر مصلحته في حصوله على السلعة التي تمجس حاجته إليها، ولا يملك ثمنها في الحال، بأن يدفع ذلك الثمن مؤجلاً على
(1) "مقومات الاقتصاد الإسلامي"،د.عبد السميع المصري: مكتبة وهبة-الطبعة الأولى1975،ص107 نقلاً عن كتاب "التجارة في الإسلام" للدكتور عبد الغني الراجحي.
(2) "درر الحكام شرح مجلة الأحكام"، المادة (157)،(3/110).
(3) "شرح المجلة"،منير القاضي،الجزء الأول،ص280،الطبعة الأولى،مطبعة العاني1949، وزارة المعارف.
(4) "درر الحكام" (2/111).
(*) " المجلة: نَفَق البيع ينفق بالضم نفقاً، راج.
دفعات تتناسب وقدراته المالية، علاوة على ما يعطيه الأجل من فرصة لإنماء المال أو كسبه فيدفع الثمن دون عنت أو إرهاق.
وعلى هذا، فصورة بيع التقسيط – والذي أخذ طابعاً من الشيوع والانتشار في عصرنا- تتم بأن يقصد المستهلك – لا سيما صاحب الدخل المحدود، والذي يحتاج إلى سلعة تسد حاجة من حاجاته أو توفر له أسباب العيش الكريم، أو تجلب له الكسب والنماء أحياناً من غسالة أو ثلاجة أو سيارة وغير ذلك من الأدوات والآلات الكهربائية والميكانيكية والأثاث – يقصد - التاجر الذي يبيع هذه المواد بالتقسيط فيخبره بثمنها إذا أراد أن يدفع حالاًوثمنها إذا أراد أن يدفع مقسطاً، وهو طبيعة الحال أعلى من الثمن الحال، فإذا ما اختار المشتري الثمن المؤجل المقسط وتم التفاق على ذلك كانت تلك صورة بيع التقسيط الذي نحن بصدد الحديث عنه.
المبحث الثالث: مظان مسألة البيع بالتقسيط وأصولها:
لم يكن اصطلاح البيع بالتقسيط معروفاً عند علماء الشريعة والفقه الإسلامي قبل القرن الحالي، حيث عرف وشاع هذا النوع من البيع، ومن البديهي والأمر كذلك أن لا يكون للمصطلح وجود في كتب الحديث النبوي وهي إحدى المصادر الرئيسية التي يستقي منها الفقه أحكامه.
ولكما كان الأمر كذلك، لقتضى أن نبين المواطن وأن نشير إلى المظان التي فيها جذور هذه المسالة وأصولها في مصادر الحديث والفقه.
ففي كتب الحديث نجد أصل هذا النوع من البيع قد ورد في المواطن التالية:
أولا : حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلمعن بيعتين في بيعة.
ثانيا: حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة بألفاظه المختلفة.
ثالثاً: الأحاديث التي تتضمن نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في البيع، أو بيع وشرط، أو بيع وسلف.
فقد ورد في شروح هذه الأحاديث ما يفيد أن من الصور التي تعنيها هذه الأحاديث: أن يبيع الرجل السلعة نقداً بكذا، ونسيئة بكذا... وهذا المعنى يعتبر أصل مسألة بيع التقسيط.
أما في كتب الفقه الإسلامي فنجد أصل مسألة بيع التقسيط يرد تحت عنوان "البيوع الفاسدة" أو "البيوع المنهى عنها" في كتب البيوع. أو في باب بيوع الآجال.فقد تتناولت تلك الكتب في عداد حديثها عن البيوع المنهى عنها، البيوع التي ذكرت آنفاً في كتب الحديث وبيان الفقهاء لمعاني تلك الأحاديث، والتي تتضمن الصورة التي أسلفت وهي أن يقول البائع للمشتري: هذه السلعة حالاً بكذا، ومؤجلاً بكذا، ومن ثم، فإن إعطاء المسألة حقها من الوضوح والجلاء يستوجب الخطوات التالية:
1- ذكرت الأحاديث النبوية الشريفة التي تعتبر أهم مظان مسألة بيع التقسيط مع تخريجها بألفاظها المختلفة، وبيان درجتها من الصحة.
2- إثبات عبارات أمهات كتب الحديث التي تناولت هذه الأحاديث بالبيان والشرح.
3- إيراد عبارات الفقهاء في شرحهم لهذه الأحاديث عند كلامهم على البيوع المنهى عنها.
4- استخلاص علة تحريم هذه البيوع كما وردت صريحة في عبارات علماء الفقة والحديث، مما يعني أن وجود العلة يقتضي المعلول وهو الحرمة، وانتفاءها يقتضي انتفاءه فتكون جائزة.
5- الانتهاء إلى نتيجة مفادها أن بيع التقسيط جائز على ضوء تلك المقدمات أم غير جائز.
وبيان الأمور السالفة الذكر بصورة وافية يحتاج إلى بلورتها على النحو التالي:
المطلب الأول : نص الأحاديث النبوية وتخريجها:
الحديث الأول : ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة(1).
الحديث الثاني: ما روى عن عبد الله بين مسعود رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة(2).

الحديث الثالث:ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم

(1) حسن: رواه مالك في "الموطأ" بلاغاً/460، وأحمد في "مسنده" (2/475،432)، والترمذي في "سننه"، وقال: حديث حسن صحيح (3/524)، والنسائي في "سننه" (2/226)، والبيهقي في "سننه" (5/343)، والبغوي في "شرح السنة" (8/142)، وابن حبان كما في موارد الظمآن رقم (1109)، وابن الجارود رقم(600)، والحديث أخرجه كذلك أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناده صحيح (2/175). كما أخرجه من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بلفظ "مطل الغنى ظلم، وإذا أحلت على ملئ فاتبعه، ولا بيعتين في بيعة" (2/71)، وبهذا اللفظ أخرجه الترمذي (3/52)، وابن ماجة رقم (2404)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (4/8-9) دون الجملة الأخيرة، والبزار في كشف الأستار بلفظ نهي عن بيعتين في بيعة (2/91)، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" (7/192/2)، وعنه أبو داود في "سننه" (2/246)، وابن حبان كمافى موارد الظمآن (1110).
والحاكم المستدرك: وقال: صحيح على شرط مسلم (2/45)، والبيهقي في "سننه" (5/343)، وصححه ابن الحزم في المحلى (9/16)، وراجع "إرواء الغليل" (5/149).
(2) صحيح لغيره: أخرجه أحمد (1/398)، والطبراني في "الأوسط" (1633) وغيرهما.
راجع: "مجمع الزوائد" (4/84-85)، و"إرواء الغليل"(5/148-149).

: " لا يحل سلف وبيع " ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما لم يضمن " ولا بيع ما ليس عندك "(1).
المطلب الثاني: معنى الأحاديث النبوية:
لما كنت بصدد التماس أصول مسالة البيع بالتقسيط والوقوف على مظانها، ألفيت ذلك مسوغاً لبيان ما تحمله عبارات العلماء- سواء شراح الحديث النبوي، أم مبينو معانيه من الفقاء – من معادن، حتى أتمكن في ضوئها من التعرف على تلك الأصول والمظان.
ومما هو جدير بالتنبيه عليه في هذا المجال أن لتلك الأحاديث الشريفة معانٍ عديدة، بسطتها كتب الحديث والفقه، ولما كان ميدان هذا البحث هو بيع التقسيط فسوف أقتصر على المعنى الوثيق الصلة به منها، تحاشياً للإطالة والإطناب، ونظراً لكون تلك المعاني بعيدة أو عديمة الارتباط بموضوع البحث،هذا، مع العلم بأن تلك المعاني قد أشارت إليها المصادر التي سأعتمد عليه في القضية موضع البحث في نفس المكان لمن رغب في الوقوف عليها.

اولاً: معنى هذه الأحاديث عند علماء الحديث:
1- حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة.

قال الترمذي في بيان معناه: وقد فسر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة ان يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعتين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحد منهما.
قال الشافعي: ومن معنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا على ان تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك وجب لك داري، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعت عليه صفقته(2).
وبهذا المعنى فسره صاحب معالم السنن(3)، وصاحب بذل المجهود(4) وصاحب عون المعبود(5)


(1) حسن: أخرجه أبو داود (3504)، والترمذي (1234)، والنسلئي (4615)، وابن ماجة (2188) وغيرهم. وانظر: "إرواء الغليل" (5/146-148).
(2) " الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي"، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (3/524).
(3) "معالم السنن"، لأبي سليمان حمد بن محمد الخطابي ت388هـ،(3/123): المكتبة العلمية،ط2،1401هـ،1981م.
(4) "بذل المجهود في حل ألفاظ أبي داود"، للشيخ أحمد السهارنغوري،(15/135):دار الكتب العلمية، الطبعة والتاريخ:بدون.
(5) "عون المعبود شرح سنن أبي داود"، للشيخ أبي الطيب محمد شمس الحق أبادي، (9/332): المكتبة السلفية بالمدينة المنورة،ط2،1388هـ،1969م.
وصاحب نصب الراية(1) وصاحب سبل السلام(2)، وصاحب نيل الأوطار(3)، وصاحب فتح العلام(4).
وجاء في الموطأوشرح الزرقاني عليه: قال مالك في رجل اشترى من رجل سلعة بدينار نقداً أو بشاة موصوفة إلى أجل، حال كونه قد وجبت عليه – أي لزمه – بأحد الثمنين: أن ذلك مكروه لا ينبغي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، وهذا من بيعتين في بيعة فيمنع لذلك(5).
وقال النسائى: باب بيعتين في بيعة، هو أن يقول: أبيعك هذه السلعة بمائة دينار نقداً، وبمائتي دينار نسيئة(6) وبمثله فسره البيهقي(7) والمناوى(8).
ما تقدم يتبين لنا بجلاء أن أكثر المعاني شيوعاً لهذا الحديث هو أن يذكر البائع للمشتري ثمنين أحدهما عاجل وآخر أكثر منه مقداراً، وهذه هي الأساس لبيع التقسيط، وسيتضح ذلك ببيان علتاه.
2- حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتبن في صفقة.
إن المتتبع لعبارات شراح الحديث لمعنى صفقتين في صفقة يجد أنها قد اقتصرت على تفسير سماك له، فقد روى أسود عن شريك عن سماك أنه قال: الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنساء(*) بكذا وكذا، وهو بنقد بكذا وكذا.
وهذا المعنى هو الذي أورده أحمد في مسنده مع الفتح الربانى(9) كما نقله صاحب عون المعبود(10)، وصاحب منتقى الأخبار(11)، وصاحب نصب الراية(12).

(1) "نصب الراية لأحاديث الهداية"، لجمال الدين أبي محمد بن عبد الله بن يوسف الزيلعي ت762هـ: من مطبوعات المجلس العلمي –الهند، وطبع بمصر 1375هـ، 1938م، الطبعة الأولى.
(2) "سبل السلام شرح بلوغ المرام"،للإمام محمد بن اسماعيل الكحلاني ثن الصنعاني ت 1189هـ (3/16) ط4،مطبعة عيسى الحلبي.
(3) "نيل الأوطار منتقى الأخبار" للشيخ محمد بن علي الشوكاني (5/172): مكتبة ومطبعة الحلبي بمصر، الطبعة الأخيرة.
(4) "فتح العلام لشرح بلوغ المرام"(2/13):دار صادر-بيروت.
(5) "شرح الموطأ مالك"، تأليف أبي عبد الله محمد بن عبد الباقي الزرقاني ت1122هـ، (4/271)،تحقيق ومراجعة:إبراهيم عطوة عوض: مكتبة مصطفة الحلبي،ط1،1382هـ-1962م.
(6) "سنن النسلئي" للحافظ أبي عبد الرحمن النسائي ت303هـ(7/60): مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي،ط1،1283هـ-1964م.
(7) "السنن الكبرى"،للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (5/343)،ط1،دار المعرفة،بيروت،لبنان.
(8) "فيض القدير شرح الجامع الصغير" للمحدث محمد المدعو عبد الرؤوف المناوي (6/308)، المكتبة التجارية الكبرى بمصر،ط1،1470هـ.
(*) المجلة: النسيئة كالتفعيلة:التأخير، وكذا: النسا بفتح ومد.
(9) "الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني"، لأحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي،(15/45)ط1،1370هـ.
(10)"عون المعبود" (9/332).
(11)"منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار"، لمجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحراني المعروف بابن تيمية، ت621هـ وعليه "شرح نيل الأوطار" للشوكاني (5/172).
(12)"نصب الراية" لأحاديث الهداية (4/20).
وقال ابن أبي شيبة: أن يقول الرجل إن كان نقداً فبكذا، وإن كان نسيئة فبكذا(1).
1- حديث " شرطان في بيع "، " سلف وبيع "، " بيع وشرط":
اما " شرطان في بيع " فقد قال صاحب المنتقى شرح الموطأ في بيان معناه: أن يقول: بعت هذه السلعة نقداً بكذا، وبكذا نسيئة(2)، وبمثله فسره النسائي(3)، كما نقل كل من صاحب عون المعبود(4) ونيل الأوطار(5) تفسير البغوي له بهذا المعنى، وبه فسره الإمام زيد(6) وصاحب فيض القدير(7).
أما صاحب سبل السلام(8) وصاحب فتح العلام(9) فقد أورد كل منهما تفسيرين أحدهما المتقدم، والثاني أن يقول: بعتك هذه السلعة بكذا على أن تبيعنى السلعة الفلانية بكذا.
أما " سلف وبيع " فقد فسره صاحب فتح العلام: بأن يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ثمنها لأجل النساء، وعنده أن ذلك لا يجوز بأن يستقرض الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة(10). وبمثله فسره صاحب سبل السلام(11) وصاحب نيل الأوطار إلا أنه علق على هذا المعنى بقوله : والأولى تفسير الحديث بما تقتضيه الحقيقة الشرعية أو اللغوية أو العرفية أو المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة، لا بما هو معروف في بعض المذاهب غير معروف في غيره(12).
مما تقدم من معان أوردتها كتب الحديث لمعنى " بيعتين في بيعة "، " صفقتين في صفقة"، " شرطين في بيع "، يظهر لنا أن نتفق في معنى واحد هو أن يبيع التاجر سلعته بثمن مؤجل أعلى من الثمن الحاضر.

(1) "مصنف ابن أبي شيبة" (8/192/2).
(2) " المنتقى شرح الموطأ" للقاضي أبي الوليد سليمان بن سعد الباجي،(5/36)،الناشر: دار الكتاب العربي،بيروت،لبنان،الطبعة الثانية،1403هـ-1983م.
(3) "سنن النسائي" (7/258).
(4) "عون المعبود" (9/403).
(5) "نيل الأوطار" (5/203).
(6) "مسند الإمام زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله عنهم"،ص260: منشورات مكتبة الحياة، بيروت، لبنان، طبعة1966.
(7) "فيض التقدير" (6/332).
(8) "سبل السلام" (3/17).
(9) "فتح العلام" (2/13).
(10)نفس المكان.
(11)"سبل السلام" (3/17).
(12)"نيل الأوطار" (5/202).

ثانياً: معنى الأحاديث النبوية عند علماء الفقة:
وردت عن فقهاء مختلف المذاهب الإسلامية معانً للأحاديث الثلاثة المتقدمة، سأحاول فيما يأتي بيانها بالقدر الذي يسمح به المقام.
1- في الفقة الحنفي:
قال صاحب المبسوط : وصفة الشرطين في بيع أن يقول: بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا(1). وبمثل المعنى فسره صاحب تحفة الفقهاء(2)، وصاحب بدائع الصنائع(3)، وصاحب الفتاوى البزازية(4)، وصاحب حاشية الشلبى على الكنز(5) وصاحب فتح القدير(6) كما أن صاحب كتاب "اختلاف الفقهاء" قد اورد هذا المعنى عن أبي حنيفة وأصحابه(7).
2- في الفقه المالكي:
جاء في الموطأ: قال مالك في رجل اشترى من رجل سلعته بدينار نقداً أو بشاة موصوفة إلى أجل، وقد وجبت عليه بأمر الثمنين أن ذلك مكروه لا ينبغي لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعتان في بيعة، وهذا بيعتين في بيعة(8).
وبمثل هذا المعنى ورد تفسير الحديث في بداية المجتهد(9) والقوانين الفقهية(10) والكافي(11).

وجاء في مختصر خليل في ذكر البيوع المنهى عنها: وكبيعتين في بيعة يبيعها بإلزام بعشرة نقداً أو أكثر لأجل.
وقد بينه صاحب "جواهر الإكليل" بقوله: ( وكبيعتين في بيعة ) أي عقد واحد، في الموطأ نهى صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة، ومحملة عند مالك على صورتين أشار المصنف لأحدهما بقوله
(1) " المبسوط " لشمس الدين السرخسي(7/28،8):دار المعرفة،بيروت،ط3بالأوفست، 1398هـ-1978م,
(2) "تحفة الفقهاء" لعلاء الدين السمرقندي ت 529هـ، (2/46): دار الكتب العلمية، بيروت،ط1 1405هـ،1984م.
(3) "بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" لعلاء الدين الكاساني ت 587هـ، (6/3041)، الناشر:زكريا على يوسف.
(4) "الفتاوى البزارية، بهامش الفتاوى الهندية"، لحافظ الدين محمد بن شهاب المعروف بابن البزازات 827هـ،(4/431)، الناشر: المنكتبة الإسلامية، تركيا، ط2: المطبعة الأميرية ببولاق، 1310هـ.
(5) حاشية الشيخ شهاب الدين الشلبي على كنز الدقائق: دار المعرفة، بيروت،ط1 المطبعة الأميرية ببولاق 1314هـ
(6) "شرح فتح القدير على الهداية" للإمام كمال الدين بن الهمام، ت 681هـ (6/446): مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي،ط1،1398،1979م.
(7) "اختلاف الفقهاء" لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (33):دار الكتب العلمية، ببيروت،لبنان، ط2.
(8) " الموطأ " (460).
(9) " بداية المجتهد ونهاية المقتصد" لابن رشد القرطبي (2/134،133): المكتبة التجارية الكبرى بمصر.
(10)" القوانين الفقهية " لابن جزى المالكي ت1346هـ، ص 629،ط1: دار الفكر.
(11)" الكافي في فقه أهل المدينة المالكي" لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر القرطبي، (2/740) ط2، (1400هـ،1980م) مكتبة الرياض الحديثة.
(يبيعها) أي مالك السلعة المعنية، (بشرط إلزام) للمشتري أو للبائع بالشراء، وأنه ليس له تركه على وجه يتردد فيه، ويحصل به الغرر كبيعها (بعشرة) من الدراهم مثلاً (نقداً) أي حالة (أ) بـ (أكثر) منها كعشرين (لأجل) كشهر، ومفهوم بإلزام أنه لو كان بالخيار في الأخذ والترك جاز له ذلك(1).
وإلى هذا المعنى ذهب الشيخ الدردير في الشرح الكبير والدسوقي في حاشيته عليه(2) وصاحب التاج والإكليل(3)، وصاحب مواهب الجليل(4)، كما أورد صاحب كتاب اختلاف الفقهاء هذا المعنى عن الإمام مالك(5).
1- في الفقة الشافعي:
قال الإمام الشافعي فيما رواه المزني في المختصر عنه في معنى بيعتين في بيعة، وهما وجهان، أحدهما: أن يقول بعت هذا العبد بألف نقداً أو بألفين نسيئة، قد وجب لك بأيهما شئت أنا، أو شئت أنت، فهذا بيع الثمن فيه مجهول، وثانيهما: أن يقول: قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف(6)، والحديث بهذا المعنى ذكره صاحب المذهب(7) والتنبيه(8)، والنووى في المجموع(9)، والروضة(10)،وشارحوا المنهاج، كصاحب مغنى المحتاج(11) وصاحب نهاية المحتاج(12) وصاحب تحفة المحتاج(13) وشارحو المنهج، كصاحب فتح الوهاب(14) وحاشية البجيرمى(15) وحاشية سليمان
(1) "جواهر الإكليل" للشيخ صالح عبد السميع الأبى الأزهري وشرح مختصر خليل عليه (2/22): مطبعة عيسى الحلبي.
(2) " الشرح الكبير" لأبي البركات الشيخ أحمد الدردير بهامش حاشية الدسوقي عليه للشيخ شمس الدين محمد عرفة الدسوقي (2/58)، مطبعة عيسى الحلبي.
(3) ، (4) "التاج والإكليل لمختصر خليل" لأبي عبد الله العبدرى المشهور بالمواق ت 897هـ بهامش مواهب الجليل لأبي عبد الله محمد المغربي المعروف بالخطاب ت954هـ (4/365،364)،ط2،1398هـ-1978م.
(5)"اختلاف الفقهاء" (33).
(1) " مختصر المزنى " للإمام إبراهيم المزنى الشافعي بهامش كتاب الأم للشافعي (2/204): طبعة دار الشعب.
(2) "المذهب في فقه الإمام الشافعي" لأبي إسحاق إبراهيم بن على بن يوسف الشيرازي الفيرزابادي ت476هـ (1/267)، الناشر: مكتبة عيسى البابي الحلبي بمصر.
(3) "التنبيه في الفقه على مذهب الإمام الشافعي" لأبي إسحاق الشيرازي_63)، الطبعة الأخيرة 1370هـ: مطبعة مصطفى الحلبي.
(4) "المجموع شرح المهذب" لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي ت676هـ (9/377،372)، الناشر:زكريا علي يوسف.
(5) "روضة الطالبين" للإمام أبي زكريا محيي الدين النووي (3/397)، الناشر: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
(6) " مغنى المحتاج إلى معرفة معاني الفاظ المنهاج" للشيخ محمد الخطيب الشربيني ت997هـ (2/30): المطبعة التجارية الكبرى بمصر.
(7) "نهاية المحتاج شرح المنهاج" لمحمد أبي العباس أحمد بن حمزة الرملي ت 1004هـ، (3/57)، مطبعة مصطفى الحلبي، الطبعة الأخيرة 1376هـ-1967م.

(8) " تحفة المحتاج وبهامشها حاشية الشرواني" لأبي حجر الهيثمي(4/294): المطبعة الوهبية –القاهرة.
(9) ،(15) "فتح الوهاب بشرح الطلاب" للشيخ أبي زكريا الأنصاري بهامش حاشية البجرمي على المنهج (2/209)، المطبعة التجارية الكبرى بمصر.

الجمل(1). وقال الغزالي: أن يقول: بعتك بألفين نسيئة، وبألف فخذ بأيهما شئت(2).
2- في الفقه الحنبلي:
يقول صاحب "المغنى" وقد روى أبو هريرة قال:" نهى رسول الله صلى الله عليص وسلم عن بيعتين في بيعة". ... مثل أن يقول: بعتك دارى هذه على ان أبيعك دارى الأخرى بكذا، أو على أن تبيعني دارك، أو على أن أؤجرك... فهذا كله لا يصح "... وقد روى في تفسير بيعتين في بيعة وجه آخر وهو أن يقول: بعتك هذا العبد بعشرة نقداً أو بخمسة عشر نسيئة... وهو أيضاً باطل"(3).
وبمثل هذا المعنى فسره صاحب الفروع(4) وصاحب حب الإنصاف(5) وصاحب المقنع(6)، وصاحب التنقيح المشبع(7).
3- تفسير علماء السلف وأصحاب المذاهب الأخرى للأحاديث:
لقد ورد عن علماء السلف الصالح من الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم – ما يفيد أن هذه الأحاديث تعني أن يقول: هو بنقد كذا، وبنسيئة كذا، فقد ورد هذا المعنى عن علي رضي الله عنه(8) وابن عباس رضي الله عنهما(9) وابن مسعود رضي الله عنه(10)، كما نقل مثله عن الأوزاعي وعطاء والثورى(11) والقاسم بن محمد(12) والشعبي وابن سيرين رضي الله عنهم أجمعين(13).
وبهذا المعنى أيضاً فسره الظاهرية(14) والأباضية(15) والشيعة الزيدية(16).

(1) "حاشية الشيخ سليمان الجمل على المنهج" (3/73)، المطبعة التجارية الكبرى بمصر.
(2) "الوجيز في الفقه الشافعي" للإمام محمد بن محمد الغزالي ت505هـ(1/38): مطبعة الآداب والمؤيد بمصر،1317هـ.
(3) "المغنى لابن قدامة" أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي، المتوفى 620هـ (4/259): مكتبة الجمهورية العربية بمصر.
(4) "الفروع" لأبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي، ت793هـ (4/30):دار الطباعة بمصر، الطبعة الثانية، 1962هـ.
(5) "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد"، لعلاء الدين أبي الحسن المرداوي(4)،ط1 1378هـ:مطبعة السنة المحمدية، القاهرة.
(6) "المقنع في فقه الإمام أحمد" لأبي محمد بن عبد الله بن قدامة المقدسي، (2/17)، الطبعة الثالثة، 1393هـ.
(7) التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع"، لعلاء الدين أبي الحسن المرداوي، ت885هـ (125) :الطبعة السلفية بمصر.
(8) "الإسلام وثقافة الإنسان"،د.سميح عاطف الزين (378).
(9) "مصنف ابن أبي شيبة" (7/193).
(10)"مصنف عبد الرزاق" (8/138).
(11)"اختلاف الفقهاء" (31-33).
(12)"الموطأ" (4610)، الزرقاني على الموطأ (271)، تنوير الحوالك شرح الموطأ (2/75).
(13)" مصنف عبد الرزاق " (8/138).
(14)"المحلى" لأبي محمد بن محمد بن حزم الظاهري ت 456هـ (9/627): مكتبة الجمهورية العربية بمصر.
(15)"شرح النيل وشفاء الغليل"، لمحمد بن يوسف أطفيش، ت1332هـ،(4/74)، طبعة القاهرة،1343هـ، "الإيضاح" للشيخ عماد بن علي الشماخى،(3/70-72)،ط2: دار الفتح 1390هـ-1971م.
(16)"البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار"،لأحمد بن يحيى المرتضى بن مفضل الحسني،ت840هـ(4/294)،ط1،1948:مؤسسة الرسالة،ببيروت،شرح الأزهار المنتزع من الغيث المدرار لأبي الحسن بن مفتاح(3/84،83):دار إحياء التراث العربي،بيروت.
مما تقدم من أقوال العلماء في معنى الأحاديث النبوية الشريفة الثلاثة يظهر أن هذه الأحاديث تفيد معنيين:
الأول: وهو أرجحهنا، وأكثرهما وروداً عند العلماء هو أن يقول البائع للمشتري بعتك هذه السلعة بسعر معجل بكذا، وبمؤجل كذا – وهو أصل مسألة بيع التقسيط.
الثاني: أن يقول للمشتري أبيعك كذا على أن تبيعني أو تؤجرني أو تقرضني كذا.
المطلب الثالث: علة التحريم في البيوع المذكورة:
من خلال الحديث عن معنى " بيعتين في بيعة " و "صفقتين في صفقة" و "شرطين في بيعة"

و "بيع وسلف" تبين أن هذه الأنواع بمعانيها التي ذكرت منهى عنها بصريح وصحيح السنة النبوية، ولما كانت هذه البيوع تقع في إطار المعاملات المالية، فإن البحث عن علة التحريم يعتبر أمراً مقبولاً شرعاً، ولما كانت القاعدة الشرعية تذهب إلى أن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فإن وقوفنا على تلك العلة يوضح لنا في أي الأحوال تكون تلك البيوع في دائرة الحظر – حال وجود العلة – وفي أي الحوال تكون في إطار الإباحة- حال انتفاء العلة- وهذا ما سنحاوله فيما يأتي:
أولاً: علة النهي عند علماء الحديث:
أن المتتبع لعبارات كتب الحديث النبوي وشروحها العديدة يجد أن تحريم البيعتين في بيعة وما إليها من البيوع موضوع البحث مرده إلى جهالة الثمن الذي تم به البيع.
يقول الترمذي في سننه تعقيباً على حديث النهى عن بيعتين في بيعة: وفسره بعض أهل العلم، أن يقول الرجل: أبيعك هذا الثوب نقداً بعشرة، ونسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على أحدهما(1).
فهذا القول يفيد أن علة النهى هي جهالة المتعاقدين بالثمن، إذ يقبض المشترى السلعة ويفارق البائع دون أن يعين ما إذا كان الثمن المعجل أو المؤجل هو الذي تم به البيع، اما إذا انتفت العلة بأن حدد المشترى أي الثمنين يختار لإتمام العقد به فإن العقد يصح لانتفاء الجهالة المفضية إلى المنازعة.
وهذه العلة هي التي نص عليها الخطابى(2) والصنعاني(3) والشوكاني(4) وصاحب بذل المجهود(5) وفتح العلام(6).
(1) "سنن الترمذي" ( 3/533).
(2) " معالم السنن " (3/123).
(3) " سبل السلام " (3/16).
(4) " نيل الأوطار" (5/172).
(5) "بذل المجهود" (15/136).
(6) " فتح العلام " (2/13).
ثانياً: علة النهى عند الفقهاء:
قال السرخسي في شأن علة النهى " وإذا اشترى شيئاً إلى أجلين وتفرق على ذلك لم تجز.. وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما وأمضى البيع عليه جاز"(1)، وقال في موضع آخر بعد بيان معنى بيعتين في بيعة.. فهو فاسد لأنه لم يقاطعه على ثمن معلوم.. فإن كانا يتراضيان بينهما ولم يفترقا حتى قاطعه على ثمن معلوم، وأتما العقد عليه فهو جائز، لأنهما ما افترقا إلا بعد تمام شروط الصحة"(2).
وهذا ظاهر في أن علة النهي عن بيعتين في بيعة وفي معناها هي عدم العلم بالثمن الذي تم عليه العقد، مما يعني أنه إذا انتفت العلة المذكورة وعلم الثمن يصح البيع.
وما ذهب إليه السرخسي هو ما ذهب إليه غيره من فقهاء الحنفية كعلاء الدين السمرقندي(3) وعلاء الدين الكاساني(4) والسلبى في حاشيته على الكنز(5) والكمال بن الهمام(6).
في الفقه المالكي:
ويبين عليه النهى عندهم ما قاله الدسوقي في هذا الصدد: وهي أن يبيع السلعة بتّاً بعشرة أو أكثر لأجل معين، ويأخذها المشتري على السكوت، ولم يعين أحد الأمرين، ويختار بعد أخذها أحد الثمينين المعجل أو المؤجل، وإنما منع للجهل بالثمن حال البيع"(7).

وفي مواهب الجليل على مختصر خليل يقول في بيان العلة: ( وكبيعها بالإلزام ) أي بالإلزام للمتبايعين أو لأحدهما، فلا يجوز إلا إذا كان لهما الخيار معاً.. ويقول تعقيباً على قول الدردير: وإنما قال بالإلزام احترازاً مما إذا باع ذلك على خيار لهما أو إحداهما فإن ذلك يجوز ويقول: شرط الجواز أن ينتفى الأمران أعنى اللزوم لهما أو لأحدهما"(8).
ومن خلال هذه العبارات يظهر لنا أن علة النهى عند المالكية تتراوح بين الجهل بالثمن ربين سد ذريعة الربا، ولذا اشترطوا أن لا يكون هناك إلزام للبائع أو المشتري وذلك لاحتمال أن يكون من له الخيار قد وقع في نفسه أن يختار الشراء بالثمن المعجل وعندها يلزمه ما اختاره، ولما كان شأن
(1) ، (2) " المبسوط" ( 13/13،28/8).
(3)" تحفة الفقهاء" (2/46).
(4) "بدائع الصنائع" (6/3083).
(5) "حاشية الشلبي على الكنز" (4/54).
(6) "فتح القدير" (6/262).
(7) "حاشية الدسوقي على الشرح الكبير" (2/58).
(8) "مواهب الجليل".
الإنسان أن يقع في التردد إذا كان أمامه فرصته للتأمل والاختيار فربما يخطر له أن يختار المؤجل بعدذلك، فكأنه قد باع ما هو معجل بالمؤجل وبينهما فارق في الثمن، وهو ما يمكن أن يكون ذريعة الربا، وهو ما عناه الإمام مالك بتعليله منع هذا البيع حين قال: لأنه إن أخر العشرة كانت خمسة عشر إلى أجل، وإن قصد العشرة كان إنما اشترى بها الخمسة عشر إلى أجل"(1).
وهذه العلل أوردها غير من ذكرنا من فقهاء المالكية كالزرقاني(2) وابن جزى(3) والموّاق(4).
3- في الفقه الشافعي:
المتتبع لعبارات فقهاء المذهب الشافعي يجد انها تكاد تطبق على اعتبار الجهل بالثمن وإبهامه وعدم استقراره هي علة تحريم الأنواع التي نحن بصددها من البيوع سواء بطريق الصراحة أو الدلالة.
فأبو اسحاق الشيرازى يقول بعد بيان معني بيعتين في بيعة..فالبيع باطل لأنه لم يعقد على ثمن بعينه(5).
ويقول النووي:.. وهو باطل، أما لو قال: بعتك بألف نقداً وبألفين نسيئة فيصح العقد(6) وإلى مثل هذا ذهب الشافعي(7) وابن الرفعة(8) والشيخ زكريا الأنصاري(9) والبجيرمى(10) وسليمان الجمل(11) والخطيب الشربينى(12) والرملى(13) وجلال الدين المحلى(14) وغيرهم.
1- في الفقه الحنبلي:
إن علة النهي عن بيعتين في بيعة وغيرها من البيوع التي اعتبرناها أصولاً لمسألة البيع بالتقسيط تتمثل عند علماء الحنابلة بالجهل في الثمن وما يصاحبه من غرر أو مقامرة وما إليها.. ويقول العبدرى في شأن تلك العلة".. لم يصح ما لم يتفرقا على أحدهما- الثمن المعجل والمؤجل- وهو
(1) "الموطأ" (460).
(2) "شرح الزرقاني على الموطأ" (4/270).
(3) "القوانين الفقهية" (269).
(4) "التاج والإكليل" (4/364).
(5) "المهذب" (1/267).
(6) "الروضة" (3/397).
(7) "مختصر المزنى" (2/204).
(8) "نيل الأوطار" (5/172).
(9) "فتح الوهاب" (2/209).
(10)"حاشية البجيرمي" (2/209).
(11)"حاشية الجمل" (3/73).
(12)"مغنى المحتاج" (2/30).
(13)"نهاية المحتاج" (3/57).
(14)"شرح الجلال المحلى على المنهاج" (2/177).
المذهب نص عليه- يعني الإمام أحمد – وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم"(1).
ويقول ابن القيم" وليس هاهنا رباً ولا جهالة ولا غرر ولا قمار ولا شيء من المفاسد.."(2).
وإلى هذه العلة ذهب ابن قدامة في المغنى(3) والمقنع(4) وابن مفلح المقدسي(5) والبهوتى(6) وغيرهم.
2- العلة عند السلف من الصحابة والتابعين، والمذاهب الأخرى، وبعض المعاصرين:
لقد ذهب كثير من علماء السلف الصالح – رضوان الله عليهم – إلى أن علة النهى عن بيعتين في بيعة وما إليهما من البيوع المنهى عنها هي الجهل بالثمن الذي تم عليه العقد – صراحة أو دلالة – يقول ابن عباس رضي الله عنهما :" لا بأس أن يقول للسلعة هي بنقد بكذا، وبنسيئة بكذا، ولكن لا يفترقان إلا عن رضى"(7)، أي بأحد الثمنين.
 
2-
ويقول الأوزاعى:" لا بأس بذلك – بيعتين في بيعة - ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد الثمنين"(8) وإلى مثل هذا ذهب أبو عبيد والثورى(9) والزهرى وطاوس وقتادة وسعيد بن المسيب(10) والحكم وحماد(11).

وبهذا المعنى علله فقهاء الشيعة(12) والأباضية(13) وصاحب الروضة الندية(14) وصاحب كتاب "المعاملات في الإسلام"(15)، "ومنهاج المسلم"(16).
وفي ضوء ما ذكرنا من أقوال علماء المذاهب الفقهية المختلفة في تقصى علة عدم جواز البيعتين
(1) "الإنصاف" (4/350).
(2) "إعلام الموقعين" لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن القيم الجوزية ت751هـ (3/150)،ط8: مكتبة ومطبعة عبد السلام يقرون.
(3) "المغنى" (4/295).
(4) "المقنع" (2/17).
(5) "الفروع"(4/30).
(6) "كشاف القناع عن متن الإقناع" للشيخ منصور بن يونس البهوتى،(3/174):مكتبة الرياض الحديثة.
(7) "مصنف ابن أبي شيبة" (4/20).
(8) "معالم السنن" (3/125)، "اختلاف الفقهاء" (32).
(9) "نيل الوطار" (5/172).
(10)"مصنف عبد الرزاق"(8/136-138)،للحافظ أبي بكر عبد الرزاق الصنعاني ت 211هـ ط1: منشورات المجلس العلمي.
(11)"أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك" للشيخ محمد زكريا الكاندهلوى(11/291):المكتبة الإعدادية– مكة-دار الفكر،بيروت.
(12)"شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام"، لأبي بكر القاسم نجم الدين الشيعي الجعفري ت676هـ/26،القسم الثاني،في العقود، الفصل الرابع، شرح الأزهار (3/84،83).
(13)"الإيضاح" (3/70-72)،"البيان الشافي في البرهان الكافي" (1/387).
(14)"الروضة الندية شرح الدرر البهية" لأبي الطيب صديق بن حسن ين علي الحسيني التنوجى (2/105):دار المعرفة،بيروت.
(15)"إن الدين عند الله الإسلام"، المعاملات في الإسلام، أحمد عبد الجواد(3/41)، مطبعة محمد هاشم الكتبى،دمشق.
(16)"منهاج المسلم"لأبي بكر الجزائري(320)،الطبعة الثامنه،1396هـ،1976م:دار الفكر،بيروت.
وما إليها، ظهر لنا بكل جلاء أن العلة عندهم – على تفاوت عباراتهم- لا تخرج عن جهل الثمن الذي تم العقد عليه، أو سد ذريعة الربا كما عند المالكية.
وعليه، فإذا ارتفعت هذه العلة عن بيع التقسيط بحيث يذكر البائع للمشتري ثمنين: احدهما عاجل والآخر آجل أكثر منه، فيختار المشتري واحداً منهما بعينه قبل التفرق من مجلس العقد فإن هذا البيع يكون جائزاً شرعاً.
المطلب الرابع : حكم البيعتين في بيعة:
لقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين إلى أن بيعتين في بيعه باطل أو فاسد(1) ولم يشذ عن القول ببطلانه إلا نفر من الفقهاء كطاوس والحكم وحماده، وقد نقلنا عن غير واحد من العلماء قوله أن كلامهم محمول على ما إذا جرى بين المتعاقدين بعد العقد ما يدل على الإتفاق على أحد الثمنين، فكأن المشتري قال للبائع بعد ذكر الثمنين : اخترت المعجل أو المؤجل، فقال البائع : أجزت أو رضيت، وحينئذ فلا خلاف بين الجمهور وبين هذه الطائفة من العلماء في القول بصحة العقد.

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية تحت عنوان: العتياض عن الأجل بالمال؛ الصورة الأولى: صدور إيجاب مشتمل على صفقتين إحداهما بالنقد والأخرى بالنسيئة مثل أن يقول : بعتك هذا نقداً بعشرة، وبالنسيئة بخمسة عشر.
يرى جمهور الفقهاء أن هذا البيع إذا صدر بهذه الصيغة لا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، وجاء في الشرح الكبير ( كذا فسره مالك والثورى وإسحاق وهذا قول أكثر أهل العلم، لأنه لم يجزم له ببيع واحد، أشبه ما لو قال: بعتك أحد هذين، ولأن الثمن مجهول فليس يصح كالبيع بالرقم المجهول) وقد روى عو طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل أنه جرى بينهما بعد ما يجرى في العقد فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة بكذا فقال: خذه أو قال: قد رضيت ونحو
(1) البيع الباطل هو ما كان غير مشروع لا بأصله ولا بوصفه، والفاسد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه. ويكون البيع باطلاً إذا أورث خللاً في ركن البيع، ويكون فاسداً إذا أورثه في غيره كالتسليم والتسلم الواجبين به، والانتفاع المقصود منه، وعدم الإطلاق عن شرط لا يقتضيه وغير ذلك، والباطل لا يفيد ملك الرقبة ولا ملك التصرف، ولا ينقلب صحيحاً بحال، أما الفاسد فلا يفيد ملك الرقبة ولكنه يفيد ملك التصرف قبا فسخ العقد، فهو وإن افاد الملك وهو مقصود في الجملة،لكنه لا يفيد تمامه، إذ لم ينقطع به حق البائع من المبيع، ولا المشتري من الثمن، فلكل منهما حق الفسخ ، ولكنه ينقلب صحيحاً بالقبض وبتعيين المدة أو الثمن، فالفاسد إذن تلحقه الإجازة بحذف المفسد قبل اتصاله بالعقد.
انظر: فتح القدير، والعناية على الهداية (6/402،401).
ذلك فيكون عقداً كافياً، فيكون قولهم كقول الجمهور ".. فعلى هذا إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح، لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجابياً"(1).
ما تقدم هو حكم البعتين في بيعة من حيث الحل والحرمة والصحة والبطلان، ولما كان هذا البيع حراماً باطلاً كان واجب الفسخ، ولا يترتب عليه أثره، ولكن لو تفرق البائع والمشترى وقد قبض المشتري السلعة، فما هو الأثر المترتب على ذلك فيما لو هلكت العين البيعة أو استهلكت أو تغيرت؟
والجواب على هذا السؤال نجده في ثنايا حديث نبوي شريف أخرجه أبو داود في سننه – وقد مر بنا نصه وتخريجه عند التعرض للأحاديث النبوية التي تصلح مناطاً لبيع التقسيط – فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الرِّبا".
فمن العلماء من أخذ بظاهر الحديث ورتب على هذه الصورة من البع أثراً: فقد روى عن الأوزاعى أنه قال وقد سئل عن معنى بيعتين في بيعة – وهو أن يقول هو نقداُ كذا ونسيئة بكذا -: لا بأس بذلك ولكن لا يفارقه حتى يباته بأحد المعنيين. فقيل له: فإن ذهب بالسلعة على ذينك الشرطين فقال: هي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين(2).

ورةى عن محمد بين سيرين أنه قال: شرطين في بع، أبيعك إلى شهر بعشرة، فإن حبسته شهراً قتأخذ بعشرة قال شريح: اقل الثمنين وأبعد الأجلين أو الربا(3).
وبه قال طاوس: فقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه قال: اخبرنا معمر وابن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: إذ قال بكذا إلى كذا وكذا، وبكذا وكذا إلى كذا وكذا فوقع البيع على هذا فهو بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين(4).
ومن جهة أخرى، فقد قال الإمام الذهبي إن محمد بن عمرو-واوى الحديث- شيخ مشهور، اخرجه له الشيخان متابعة، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائي:
ليس به بأس(5).
(1) " الموسوعة الفقهية "، وزارة الأوقاف، الكويت (2/38)، الطبعة الأولى، 1402هـ-1982م،مطبعة الموسوعة الفقهية.
(2) " معالم السنن " (3/123)،"بذل المجهود" (15/135)، "اختلاف الفقهاء"(32)، "سنن أبي داود" (3/533).
(3) " المحلى " (9/628).
(4) " مصنف عبد الرزاق " (8/137-138).
(5) " معالم السنن" (3/123).
وقد أجاب جمهور العلماء عن الحديث الذي استدل به القائلون بأنه إذا تم البيع بصورة بيعتين في بيعة أن للبائع اقل الثمنين إلى أبعد الأجلين بأجوبة منها:
1- أن في صحة الحديث مقالاً، قال المنذرى: في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور من رواية الدراوردى وحمد بن عبد الله الأنصاري " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"(1).
2- أن الحديث على فرض صحته فعنه أجوبة منها:
(أ‌) يجاب عما قاله الأوزاعى بما قاله الخطابى وغيره: لا اعلم أحداً من الفقهاء قال بظاهر هذا الحديث أو صحيح البيع بأوكس الثمنين إلا شيء يحكى عن الأوزاعى. وهو مذهب فاسد، وذلك لما يتضمنه هذا العقد من الغرر والجهل"(2).
وأما قول شريح فيجاب عنه بانه محمول على معنى آخر ذكره ابن حزم فقال : فإن حبسته شهراً آخر فتأخذه عشرة أخرى(3).
_ب) ما ذكره الخطابى وغيره: أن ما رواه يحيى بن زكريا عن محمد بن عمرو على الوجه الذي ذكره أبو داود يشبه – يحتمل – أن يكون ذلك في حكومة في شيء بعينه: كأنه أسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له: بعنى القفيز الذي بك بقفيزين إلى شهرين، فهاذا بيع ثان قد دخل على البع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما – أقلهما- وهو الأصل، فإن تبايعا البيع الثاني قبل أن يتقابضا – قبل فسخ البيع الأول – كانا مربيين(4).
فهذا القول يفيد ان الربا هو من باب بيع الدين بالدين، لأن البائع باع المشترى الدَّين الذي له عليه بثمن أكثر وهو منهى عنه، لأنه من باب بيع "الكالىء بالكالىء" وقد نهى عنه صلى الله عليه وسلم لما فيه من الربا.
(ج) أن الحديث من باب بيع الدين بالدين كما يفهم من قول ابن الأثير في النهاية حيث فسر الحديث بقوله: أن يستلف الرجل من الرجل مالاً فيعطيه سلعة إلى أجل، فإذا حل الأجل وطالب بالوفاء قال : بعني تلك السلعة إلى أجل آخر وأزيدك، ولا يجري بينهما تقابض، فصار بذلك بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وهذا هو بيع الدين بالدين، كأنه أسلفه ديناراً في صاع بر مثلاً إلى

(1) " نيل الأوطار" (5/174).
(2) "معالم السنن" (3/122)، "بذل المجهود" (5/134)، "عون المعبود" (9/322).
(3) " المحلى" (9/629).
(4) " معالم السنن" (3/122)، بذل المجهود" (15/135)، "المجموع" (9/372).
شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر قال له بعني الصاع بصاعين إلى شهرين فهذا بيع ثان ودخل في الأول فصار بيعتين في بيعة فيرد إلى أقلهما وهو الصاع، وإلا كان الثاني ربا للتفاضل، أو كأنه باعه ديناً بدين وهو الكالىء بالكالىء المنهى عنه"(1).
(د) أن الحديث محمول على ما إذا استهلك المشتري للبيع كله أو بعضه: ففي بذل المجهود: وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه – الخطابي – رضي الله عنه قوله: من باع بيعتين...ظاهره مخالف للمذاهب كلها إلا أن يقال في معناه: أن من باع شيئا على أنه بخمسة إن كان ناجزاً، أو
بعشرة إن كان نسيئة ثم افترقا من غير أن يتعين أحدهما فهذا البيع فاسد لكونهما افترقا قبل تعيين الثمن، ولأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، وكان الحكم فيه الفسخ، إلا أن المشتري استهلك المبيع أو أكله فلا يجب فيه إلا المثل أو القيمة، وهو أوكس عادة من الثمن المتعين بينهما في البيعتين معاً، فصار المعنى أنه باع بيعتين كذلك ثم لم يبق المبيع حتى يفسخ البيع فله أن يأخذ القيمة أو المثل ويأخذ الثمن لأنه أخذ الثمن كان إبقاء للبيع وهو مأمور بفسخه، وأما إذا أخذ الثمن ولم يفسخ فقد أربى لكونه عقد عقداً فاسداً، والعقود الفاسدة كلها داخلة في حكم الربا(2).
ويؤيد حمل الحديث على هذا المعنى ما نقله ابن جرير الطبرى عن الثورى أنه قفال: إن بعت بيعاً فقلت: هذا بالنقد بكذا. وبالنسيئة بكذا فذهب المشتري فهو بالخيار في البيعتين، وإن لم يكن وقع بيعك على أحدهما فهو مكروه وهو بيعتان إلى بيعه، وهو مردود وهو الذي ينهى عنه، فإن وجدت متاعك بعينه أخذته وإن قد استهلك ذلك فذلك أوكس الثمنين وأبعد الأجلين(3).

وروى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر بعد أن ذكر قول طاوس الذي تقدم قبل قليل أنه قال: وهذا إذا كان المبتاه قد استهلكه(4).
(هـ) ما قال صاحب نيل الأوطار في معرض رده على المبطلين للبيع مؤجلاً مع زيادة الثمن لأجل التأجيل: لأن ذلك التمسك هو الرواية الأولى من حديث أبي هريرة:" من باع بيعتين فله أوكسهما أو الربا" وقد عرفت ما في راويها من المقال، ومع ذلك فالمشهور عند اللفظ الذي رواه غيره وهو النهى عن بيعتين في بيعة ولا نتيجة فيه على المطلوب. ولو سمعنا أن تلك الرواية التي تفرد بها ذلك
الراوي صالحة للاحتجاج لكن احتمالها لتفسير خارج عن محل النزاع كما سلف عن ابن رسلان
(1) "التاج الجامع للأصول" (2/206)، " المعاملات في الإسلام" (3/45)، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ت606هـ (5/219)، تحقيق : محمد محمد طناجى، الناشر: المكتبة الإسلامية.
(2) "بذل المجهود" (15/135).
(3) "اختلاف الفقهاء" (32).
(4) "مصنف عبد الرزاق" (8/138،137).
– أبيعك كذا شريطة أن تبيعني كذا – قادحاً في الاستدلال بها على التنازع فيه على أن غاية ما فيها الدلالة على المنع من البيع إذا وقع على هذه الصورة – وهي أن يقول نقداً بكذا ونسيئة بكذا_ إلا إذا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه مع أن المتمسكين بهذه الرواية يمنعون من هذه الصورة ولا يدل الحديث على ذلك فالدليل أخص من الدعوى(1).
(و) ما قاله ابن حزم الظاهري: هذا الخبر صحيح إلا أنه موافق لمعهود الأصل، وقد كان الربا وبيعتان في بيعة والشروط في البيع كل ذلك مطلقاً غير حرام إلى أن حرم كل ذلك، فإذا حرم كل ما ذكرنا فقد نسخت الإباحة بلا شك/ فهذا خبر منسوخ بلا شك بالنهي عن البيعتين في بيعة، فموجب إيطالهما معاً لأنهما عمل منهى عنه(2).
(ز) ما قاله ابن القيم أن الحديث لا يحمل على الصورة المعروفة وهي أن تكون السلعة نقدأ بكذا ونسيئة بكذا حيث يقول:" أنه صلى الله عليه وسلم، نهى عن بيعتين في بيعه، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوكس البيعتينأو الربا في الحديث الربا. وذلك سداً لذريعة الربا، فإنه باعه السلعة بمائة مؤجلة ثم اشتراها بمائتين حالة فقد باع بيعتين في بيعة، فإن أخذ الثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص بأوكسهما وهو من اعظم الذرائع عن الربا، وأبعد كل البعد عن حمل الحديث على البيع بمائة مؤجلة أو خمسين حالة"(3).
ويبدو أن المالكية لهم رأي آخر في المسأله وهو أن المشترى إذا قبض المبيع في صورة البيعتين في بيعة، فإن البائع يعطي قيمة المبيع نقداً، ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين(4).
فقد نقل عن مالك قوله: من باع سلعة بدينار أو بدينارين إلى شهر فسخ ذلك، وردت إلى قيمتها نقداً،ولا يعطى أقل الثمنين إلى أقصى الأجلين.
وقال صاحب الكافي:" وإن قبضت السلعة وفاتت، رد قابضها قيمتها يوم قبضها بالغة ما بلغت واتبع ذلك بقوله: وهذا كله قول مالك وأصحابه"(5).
ووجه ما قاله المالكية: أن السلعة لم يقع شراؤها على شيء بعينه بقطع أو بخيار، وإنما إذا وقع على مالاً يدرى أي السلعتين يختار، وقد وجبت إحداهما، فحيث قبضها وتعذر ردها وجبت قيمتها.
وخلاصة الأمر في حكم بيعتين أنها من البيوع المنهى عنها المحكوم ببطلانها واستحقاقها الفسخ إذا
(1) " نبل الأوطار" (5/173).
(2) " المحلى " (9/629).
(3) "إعلام الموقعين" (3/150)،"الوجه" (62).
(4) "اختلاف الفقهاء" (32).
(5) "الكافي"، المجلد الثاني، (740).
وقعت بالصورة التي لا يعلم فيها الثمن، وهذا رأي عامة الفقهاء.
أما من حيث حكمها إذا حدث قبض بموجبها فجمهور الفقهاء يرون أن البيع الباطل لا ينتج اثراً، وأنه لا يصح الأخذ بظاهر حديث أبى داود، لأن العمل بظاهره يفيد أن البيع صحيح إذ هو الذي ينتج آثاراً ويرتب حقوقاً، ولذلك وجهوا إلى الحديث المطاعن التي ذكرنا في صحته من جهة، وفي صلاحيته للاحتجاج به على المطلوب، والتمسوا له التأويلات التي تقدمت على فرض صحته انسجاماً مع الحقيقة الشرعية التي تأبى أن ترتب على العقد الباطل آثاراً، وتمكيناً للبائع من
الوصول إلى حقه الذي ذهب بتعذر استرداد العين التي باعها بموجب عقد البعتين في بيعة المنهى عنه شرعاً.
وقد نازع بعض الفقهاء في هذه الحقيقة بناء على ثبوت الحديث عندهم، وعملهم بظاهر معناه.

وبعد النظر في أدلة الفريقين، وما صوّبه الجمهور إلى أدلة مخالفيهم من طعون عملت على إيهانها، وعجزها عن الانتهاض للاحتجاج بها على مدعاهم، أرى أن ألحق فيما قال الجمهور، والله تعالى اعلم.
المبحث الرابع: حكم البيع بالتقسيط:
تمهيد: بعد أن تتبعنا أقوال العلماء في بيان معنى الأحاديث الثلاثة وعلتها انتهيا إلى النتائج التالية:
1- أن تلك الأحاديث تصلح أن تكون موطناً مناسباً ومظان ملائمة للبحث في مشروعية البيع بالتقسيط. وذلك لأنها تشترك من حيث معناها في صورة هي أصل ذلك البيع والمتمثلة بقول البائع للمشتري أبيعك هذه السلعة نقداً بكذا ونسيئة بكذا.
2- أن تحريم هذه البيوع يستند إلى علة تتمثل في جهل المتعاقدين بالثمن، وسد ذريعة أن يكون هذا البيع طريقاً إلى الربا المحرم.
فالقول بعد صحة هذه البيوع مجردة إلى أن الصيغة الصادرة مشتملة على صيغتين في آن واحد، فلم يجزم البائع ببيع واحد، وأن الثمن مجهول، هل هو المؤجل؟ وإذا كان الإيجاب غير جازم لا يصلح، ويكون عرضاً، فإذا قبل الموجه إليه العرض إحدى الصفقتين كان إيجاباً موجهاً إلى الطرف الأول فإن قبل تم العقد، وإلا لم يتم العقد(1).
في ضوء ما تقدم كنا نتوقع أن يكون البت في الحكم الشرعي لبيع التقسيط أمراً ميسوراً يكفي فيه
التثبيت من وجود العلة المذكورة، فيحكم بالجواز في الحالة الأولى وبالبطلان في الحالة الثانية.

(1) "مجلة المسلم المعاصرة"،ص89 ع308،ربيع الثاني1404هـ،الموسوعة الفقهية، الكويت (2/38).
ولكن حكمة الله ورحمته بعباده التي كان اختلاف عقول البشر عامة وعلماء الفقه خاصة مظهراً من مظاهرها اقتضاها أن تعمل تلك العقول – التي تحررت من قيود الخوف والرهبة، فانطلقت تلتمس الحقيقة في هدى نور الله – فيما بين يديها من النصوص تأملا وترديد فكر، فيكون نتاج ذلك ثمرات خيرة من الأفكار والآراء والأحكام المتباينة في خط سيرها المتفقة في هدفها ألا وهو نشدان مرضاة الله عز وجل، والتمكين لشريعته في الأرض.. وإذا بنا نتيجة لذلك أمام آراء لا رأى، وبصدد احكام لا حكم واحد في هذه المسألة، وأبرز تلك الأحكام:
1- ان بيع التقسيط غير جائز شرعاً.
2- أن بيع التقسيط جائز شرعاً.
3- رأى وسط يذهب إلى عدم القول بجوازه أو عدم جوازه مطلقاً، بل يرى أنه مكروه، وشبهه الأولى اتقاؤها.
وممن قال بعد الجواز وإنه لا يصح زيادة الثمن في مقابل تأجيل قبض الثمن : زين العابدين، على بن الحسين، والناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى، وابو بكر الرازي الجصاص الحنفي(1).
أما القول بجواز بيع التقسيط وبأن أخذ زيادة في السعر مقابل التأجيل امر يقره الشارع فهو قول جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وبه قال زيد بن على والمؤيد بالله والمهدي والمفتي من شيعة آل البيت(2).
اما القول الثالث الذي اتخذ موقفاً وسطاً بين القولين السابقين فهو ما ذهب إليه د.رفيق المصري في كتابه " مصرف التنمية الإسلامي"(3).
وقد لخص الشيخ أبو زهرة سبب الخلاف بين المجيزين والمانعين بقوله " ويعود سبب الخلاف لأجل الزيادة، اتعد الزيادة في مقابل الأجل كالزيادة في الدين في نظير الأجل أم لا تعد؟ فالذين قاسوا الزيادة في مقابل الأجل على الزيادة في الدين في نظير الأجل وجعلوهما صورة واحدة قالوا بالحرمة، وأما الذين فرقوا بينهما قالوا بالحل "(4) .
(1) "نيل الأوطار"(5/173)،"شرح الأزهار"(3/84)،"تفسير أحكام القرآن" لأبي بكر الجصاص(2/187)،تحقيق:محمد الصادق قمحاوي،الناشر:دار الصحف بالقاهرة، الأمام زيد للشيخ محمد أبو زهرة (293) وما بعدها: المكتبة الإسلامية،بيروت،الروضة الندية(106).
(2) "الأم" (3/15)،"نيل الأوطار" (5/173)،"فقه السنة" السيد سابق (3/141)،دار الفكر، الطبعة الثالثة،" الروضة الندية" (2/106)،"شرح الأزهار وهوامشه" (3/84)،"البهجة شرح التحفة" (2/7)،" الموسوعة الفقهية الكويتية"(2/39)،"التاج الجامع للأصول" (206)،"الإمام زيد" (294،293)،" الحلال والحرام"،د.القرضاوي،(259) ط13: المكتب الإسلامي1400هـ-1980م،"المبسوط" (3/8)،"حاشية الطحاوى على الدر المختار"(3/97)،"تبين الحقائق"(4/79)،"المدونة"(4/151)،"مجموعة فتاوى ابن تيمية"(29/502)،"الدسوقي على الشرح الكبير"(3/65).
(3) "مصرف التنمية الإسلامي"،د.رفيق المصري،(190،189):مؤسسة الرسالة1397هـ،1977م.
(4) "الإمام زيد" أبو زهرة ،(293).
المطلب الأول : أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط:
استدل القائلون بأن بيع التقسيط لا يصح شرعاً بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والمعقول، فمن القرآن الكريم استدلوا بقوله سبحانه وتعالى ( وأحل الله البيع وحرم الربا)(1) فهي تفيد تحريم البيوع التي يؤخذ فيها زيادة مقابل الأجل لدخولها في عموم كلمة الربا(2).
كما استدلوا بقوله عز شأنه : ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )(3).
فقد جعلت الآية الرضا شرطاً لحل الكسب والربح في المبادلات التجارية وإلا كان ذلك الكسب حراماً وأكلاً لأموال الناس بالباطل ، وعامل الرضا غير متوفر في البيع بالتقسيط، لأن البائع مضطر للإقدام عليه ترويجاً للسلعة، والمشتري مضطر له رغبة في الحصول على السلعة التي تنص حاجته إليها ولا يملك ثمنها حالاً، فيرغم على دفع الزيادة مقابل الأجل(4).
اما من السنة النبوية فاستدلوا بأحاديث منها :

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن صفقتين في صفقة وقد مر معنا ما رواه أحمد عن سماك في تفسير الحديث بقوله : هو الرجل يبيع الرجل فيقول : هو بنساء كذا، وهو بنقد بكذا وكذا.
وقد علق الشوكاني على ذلك بقوله : وفي هذا التفسير متمسك لمن قال " يحرم بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء"(5).
كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا، وهكذا يعني أن من باع يأخذ زيادة مقابل الأجل يكون قد دخل في الربا المحرم إذا لم يأخذ الثمن الأقل.
وهذا يفيد أنه لا يجوز للبائع أن يبيع سلعته بأكثر من سعر يومها تجنبا للوقوع في ربا النسيئه(6).
قال صاحب الروضة الندية: فالحديثان- حديث ابن مسعود وحديث أبو هريرة- قد دلاّ على أن الزيادة لأجل النساء ممنوعة، ولهذا قال : فله أوكسهما أو الربا " والأعيان التي هي غير ربوية
(1) سورة البقرة : 275.
(2) "الإمام زيد" (293)، بحوث في الربا، محمد أبو زهرة (48):دار الفكر العربي.
(3) سورة النساء : 29.
(4) "الإمام زيد" محمد أبو زهرة،(294)،دارالفكر العربي:أبرز صور البيوع الفاسدة،د.محمد وفاء (48):مطبعة السعادة،1404هـ،1984م.
(5) "نيل الوطار" (5/173).
(6) أبرز صور البيوع الفاسدة (37).
داخلة في عموم الحديث"(1).
واستدلوا كذلك مما أخرجه أبو داود في سننه عن محمد بن عيسى بن هشيم عن صالح بن عامر – كذا قال محمد – قال : حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي أو قال : قال علي : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وبيع الغرور، وبيع الثمر قبل أن تدرك(2).
قالوا : وبيع التقسيط من بيع المضطر، لأنه لا يقبل بالزيادة لأجل المدة إلاّ المضطر في الغالب، ويؤيد هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم:" إنما البيع عن تراضٍ"(3) وهو يفيد أن البيع الجائز شرعاً ما توفر فيه عنصر الرضا من المتعاقدين بإجراء العقد، ولا رضا مع الإضطرار والإكراه فيكون البيع باطلاً، وعليه، فالبائع بأجل واللمشتري إلى أجل كلاهما مضطر للبيع ولا يصدق عليهما قوله سبحانه ( إلا أن تكون تجارة عن تراض ) وقوله صلى الله عليه وسلم " إنما البيع عن تراض ".
أما من المعقول فاستدلوا بأمور منها:
إن الزيادة بالثمن المؤجل هي من باب الربا، واستدلوا بقولهم هذا بما يأتي :
1- أن الزيادة في الثمن هي في نظير الأجل والتأخير، إذ لم يقابلها إلا المدة والتنفيس بالأجل فقط، ومتى كانت الزيادة كذلك فهي زيادة من غير عوض، فتنطبق عليها كلمة الربا، وتتناولها أدلة تحريم الربا وتندرج تحتها(4).
2- إن القول ببطلان البيع بأكثر من الثمن إلى اجله خشية أن يكون ذريعه إلى الربا، فيكون بمنزلة جارية نقدا وعشرة دنانير إلى شهرين بعشرين دينار إلى شهرين(5).
3- إن الزيادة مقابل الأجل هي من باب الشرطين في بيع وسلف وبيع: وصفة الشرطين في بيع كما تقدمت : أن يكون المبيع بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا ، وذلك غير جائز.
والبيع مع السلف أن يبيع منه شيئا ليقرضه أو يؤجره أو الثمن ليعطيه على ذلك ربحاً.
يقول د.عبد السميع المصري بعد أن نقل التفسيرين المتقدمين عن المبسوط" وظاهر مما تقدم عن
صاحب المبسوط أن العلة في عدم الجواز في الصورتين عند الأحناف (الحنفية) هي الربا ، لأن ذلك في الصورة الأولى جعل الأجل في الثمن مقابلاً بالزيادة في صراحة فهي زيادة في الدين بغير عوض،
(1) "الروضة الندية" (2/106).
(2) إسناد ضعيف: أخرجه أبو داود (3382).
(3) صحيح : أخرجه ابن ماجه في سننه (2185) ، وسنن اليهقى (6/17).
(4) " شرح الأزهار" (3/74)، "بحوث في الربا" (48)، "الإمام زيد" (294،293).
(5) الحجة.
وهي معنى الربا. وفي الصورة الثانية يحتال على الربا في القرض ببيع شيئاً مع المحاباة في ثمنه بمقابل القرض"(1).
ويتابع قائلاً: " ولا شك عندي في أن هذا هو روح الشريعة الإسلامية، وهو الغاية من تحريم الربا في الإسلام، لأن الزيادة في الثمن هي مقابل الأجل في التقسيط أي مقابل استغلال حاجة المشتري الضعيف بينما الإسلام دين الرحمة والإخاء والتعاون، يقول سبحانه: ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )(2) .
وإذا لم يتعادل سعر النقد والتقسيط فقد ذهبت عدالة التوزيع ولم يستطع ذو الدخل الصغير أن ينال حظه من الرفاهية..." (3).
1- القياس على إنقاص الدين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، إذ لا فرق بين إنقاص الثمن مقابل إنقاص المدة، وبين زيادة الثمن مقابل زيادة المدة، أولاً فرق بين أن نقول سدد الدين أو نزد في نظير الأجل، أون تبيع بزيادة في الثمن لأجل التأجيل، فالمعنى فيهما أن الأجل له عوض وهو بمعنى الربا(4).
وبيان ذلك كما قاله أبو بكر الجصاص " أنه لو كان لرجل على آخر ألف درهم دين مؤجلة فصالحه منها على خمسمائة حالة فلا يجوز، لما روى عن ابن عمر أنه سئل عن الرجل يكون له على الرجل الدَّين إلى أجل فيقول له: عجل لي وأضع عنك فقال: هو الربا. وروى عن ويد بن ثابت أيضاً النهى عن ذلك، وهو قول سعيد بن جبير والشعبي والحكم، وقول أصحابنا وعامة الفقهاء. ومما يدل على بطلانه تسمية ابن عمر إياه ربا، وأسماء الشرع توقيف. ولأنه معلوم أن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلاً من الأجل فأبطله الله وحرمه وقال : ( وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم )(5).
وقال : ( وذروا ما بقي من الربا )(6)، حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله، فإنما جعل الحط مقابل الأجل فكانت هذا هو معنى الربا الذي نص الله على تحريمه.
(1)"مقدمات الاقتصاد الاسلامي"(108)، عن كتاب "نظرية الربا المحرم في الشريعة الإسلامية"،لإبراهيم زكي الدين بدوي(214).
(2) سورة البقرة :280.
(3) " مقدمات الاقتصاد" (109،108).
(4) "بحوث في الربا" (48)، "الإمام زيد" (293).
(5) سورة البقرة: 279.
(6) سورة اليقرة : 278.
ولا خلاف أنه لو كان له عليه ألف درهم حالة فقال له: أجلنى وأزيدك فيها مائة درهم لا يجوز، لأن المائة عوض عن الجل، كذلك الحط في معنى الزيادة، إذ جعله عوضاً من الجل. وهذا الأصل في امتناع جواز أخذ الإبدال عن الآجال"(1).
وجاء في حاشية ابن عابدين " أنه إذا بيع الشيء بثمن مؤجل ثم وجب الأداء معجلاً فإنه ينقص من الثمن بمقدار التعجيل " وبذلك يتبين أن الفقهاء أباحوا الزيادة في نظير الأجل، وأى فرق بينها وبين الربا"(2).
2- أن أبا حنيفة قال فيمن دفع إلى خياط ثوباً فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وأن خطته غداً فلك نصف درهم، إن الشرط الثاني باطل، فإن خاطه غداً فله أجر مثله، لأنه جعل الحط مقابل الأجل ، والعمل في الوقتين على صفة واحدة فلم لأنه بمنزلة بيع الأجل"(3).
مما تقدم يتبين لنا أن عمدة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط هو أن ذلك ضرب من الربا المحرم، ومستندهم الرئيسي في ذلك أن الزيادة في الثمن هي في مقابل الأجل، والأجل ليس بالشيء الذي يستحق عوضاً فتكون زيادة بلا عوض وهو عين الربا الذي نهى الشرع عنه وحرمه.
المطلب الثاني: أدلة القائلين بجواز بيع التقسيط:
استدل القائلون بجواز بيع التقسيط بأدلة من الكتاب والسنة والآثار والإجماع والعرف والمعقول.
فمن القرآن الكريم استدلوا بما يأتي:
عموم الأدلة القاضية بالجواز كقوله سبحانه وتعالى ( وأحل الله البيع وحرم الربا )(4).

وهو نص عام يشمل جميع أنواع البيع، ويدل على أنها حلال، إلا الأنواع التي ورد نص بتحريمها، فإنها تصبح حراماً بالنص مستثناة من العموم، ولم يرد نص يقضي بتحريم جعل ثمنين للسلعة ثمن معجل وثمن مؤجل، فيكون حلالاً أخذاً من عموم الآية(5).
وقوله عز وجل ( إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ) فالزيادة في الثمن مقابل الأجل داخلة في عموم النص، إذ إن أعمال التجارة تنبني على البيع نسيئة، ولا بد أن تكون لهم ثمرة، وتلك الثمرة داخلة في باب التجارة وليست داخلة في باب الربا. فالثمن في البيع الآجل هو للسلعة مراعى فيه
(1) " تفسير آيات الحكام "، لأبي بكر الرازي الجصاص (2/1985).
(2) "بحوث في الربا"، ابو زهرة (48)، "حاشية ابن عابدين"(5/6،160/757).
(3) "تفسير الجصاص"(2/187).
(4) سورة البقرة :275.
(5) "نيل الاوطار" (5/173)،"شرح الأزهار"(3/84)، مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد النجدى الحنبلي وولده محمد، المجلد 29 ص499، تصوير ط1، 1398هـ.
الأجل، وهو من التجارة المشروعة المعرضة للربح والخسارة(1).
ومن جهة اخرى، فالرضا ثابت في هذا القبيل، لأن من يفعل ذلك من التجار إنما يجعله طريقاً إلى ترويج تجارته. فهو إجابة لرغبته.
كما أن الذي تسلم العين دون دفع ثمن حاله قد تسلم العين منتفعاً بها مغلة، موضع إتجار، وهذا لا ينافى رضاه(2).
واستدلوا كذلك بقوله عز شأنه ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم إلى أجل مسمى فاكتبوه )(3).
وبيع السلعة بثمن مؤجل مع الزيادة مما تنتظمه هذه الآية، لأنها من المداينات الجائزة فتكون مشروعة بنص الآية(4) .
أما من السنة النبوية والآثار:

فقد ورد فيها ما يدل على أن الشارع قد سوغ جعل المدة عوضاً عن المال، وأنه يجوز أن يختلف الثمن المؤجل عن الثمن المعجل بزيادة في المؤجل، وأن هذه الزيادة مباحه ومن ذلك : ما روى " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشاً، فكان يشتري البعير ببعيرين إلى أجل "(5)، وهو دليل واضح على جواز أخذ زيادة على الثمن نظير الأجل.
وما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما امر بإخراج بني النظير جاء ناس منهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله، أنك امرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل " فقال عليه الصلاة والسلام " ضعوا وتعجلوا"(6).
والحديث دليل على أنه لو بيع شيء ما بالنسيئة، واضطر المشتري للسداد قبل الإستحقاق يجوز تخفيض الثمن بمقدار يتكافئ مع المدة التي تفصل تاريخ السداد الفعلي عن تاريخ الإستحقيق، فإذا جاز التخفيض لقاء التعجيل فلا بد عقلاً من جواز الزيادة لقاء التأجيل وهو ما قال به ابن عابدين(7).
(1) ، (2) "الإمام زيد" (294)،" أبرز صور البيوع الفاسدة"(51،50)، النشرة الإعلامية للبنك الإسلامي الأردني رقم (3/26).
(3)سورة البقرة:282.
(4) "فتوى في مجلة البحوث العلمية"( ص270 ع6) 1403هـ وفي مجلة الاقتصاد الإسلامي للشيخ عبد العزيز بن باز ص42، العدد11،شوال1402هـ، وفي كلمات مختارة (عقائد، أحكام، مواعظ) للشيخ عبد العزيز بن باز، جمعها عبد الله بن جار الله ص 137 رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
(5) حسن: أخرجه أبو داود (3357)، وأحمد (2/171 و 216)، والدارقطني (3/70،69)، وقال الحافظ في "الفتح" (4/489) إسناده قوي. وحسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط في المسند، طبعة الرسالة.
(6) لإسناده ضعيف :أخرجه الحاكم في "المستدرك" (2/52)، والدارقطني في "سننه" (3/46) وغيرهما.
(7) "مصرف التنمية الإسلامي" (186)، "حاشية ابن عابدين"(5/160)،(6/757).
ومن الآثار الداله على جواز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من المعجل وجواز زيادة الثمن في الشراء للآجل. ما نقل الشيخ أبو زهرة عن كتاب المجموع والروض النضير في الفقه الزيدي الشيعي عن أبي خالد قال : سألت زيد بن علي عن رجل اشترى سلعة إلى اجل ثم باعها مرابحه والمشتري لا يعلم أنه اشتراها إلى اجل ثم علم بذلك؟ فقال: هو بالخيار إن شاء أخذ وإن شاء رد. وقد عقب على هذا القول بأنه يفيد حكماً بالنص وآخر بالإلتزام: أما الحكم الذي استفيد بالنص فهو أن عدم ذكر الأجل في المرابحة إذا كان البائع قد اشترى إلى أجل يعد خيانة في المرابحة، وهي خيانة لا يمكن تقديرها كالخيانة في الزيادة بالثمن ، وإن الحكم في هذه الحالة هو أن المشتري بالخيار بين إمضاء العقد وبين فسخه، والحكم الإلتزامي هو أنه يجوز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن المعجل ويتبين ذلك من خلال أن ترك ذكر البائع للأجل في المرابحة خيانة، لأن شأن التجارة أن يكون الثمن العاجل أقل من الثمن الآجل، وترك ذكر الأجل والبيع بثمن عاجل غش، لأنه لم يتبين ماستفادة بالتأجيل
والربح مع هذا التأجيل يكون عاى غير أساس سليم.."(1).
قال صاحب الروض النضير :" واعلم انه يؤخذ من كلام الإمام – زيد بن علي – أن بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء جائز ولهذا ثبت للمشتري الآخر الخيار إذ لولا زيادة الثمن في شراء الأجل لم يظهر لإثبات الخيار وجه"(2).

والإجماع يدل على أن البيع بالتقسيط لا بأس به، فالمسلمون لا يزالون يستعملون مثل هذه المعامله وهو كالإجماع منهم على جوازها(3).
كما ان العرف قد جرى على أن النقد الحال أعلى قيمة من النقد المؤجل، وطالما أن العقد ابتداء لم ينص على سعرين فهو حلال(4).
أما عن القياس والمعقول فاستدلوا بما يأتي :
· أن البيع إلى اجل مع زيادة الثمن هو بيع بثمن معلوم بين المتبايعين بتراضيهما فوجب الحكم بصحة البيع كالبيع بثمن حال(5).
· القياس على السلم : فالبيع إلى أجل من جنس بيع السلم وذلك أن البائع في السلم يبيع في

(1) " الإمام زيد" نقلاً عن المجموع والروض النضير (292).
(2) "الروض النضير" (3/168)،نقلاً عن "الإمام زيد" (293).
(3) "مجموع الفتاوى" ابن تيمية (29/499)،"مجلة الاقتصاد الإسلامي" ع11، شوال 1402هـ، بحوث في الربا،48.
(4) على الخفيف نقلاً عن مقومات الاقتصاد الإسلامي (107).
(5) "هوامش شرح الأزهار" (4/83).
ذمته حبوباً أو غيرها مما يصح السلم فيه بثمن حاضر أقل من الثمن الذي يباع به في وقت السلم فيكون المسلم فيه مؤجلاً والثمن معجلاً، فهو عكس مسالة البيع بالتقسيط، وهو جائز بالإجماع والحاجة إليه ماسة كالحاجة إلى السلم والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى اجل سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم، وتأخير تسليم الثمن في البيع إلى اجل(1).
القياس على بيع المرابحة : فإذا كان الأجل معلوماً بالبيع بأجل صح البيع ولا شيء فيه لأنه من قبيل المرابحة، وهي نوع من انواع البيوع الجائزة شرعاً التي يجوز فيها اشتراط الزيادة في
· السعر في مقابلة الأجل، لأن الأجل وإن لم يكن مالاً حقيقة إلا أنه في باب المرابحة احتراز عن شبهة الخيانة، بشرط أن لا تكون الزيادة فاحشة، وإلا كانت أكلاً لأموال الناس بالباطل(2).
· لأن للأجل حصة من الثمن : ولهذا تزداد قيمة ما يباع بثمن مؤجل على ما يباع بثمن حال. فما دام البائع قد حدد الثمن لمن يشتري بثمن حال، وحدد الثمن وعينه لمن يشتري بثمن مؤجل، وقد اختار المشتري الشراء بأحد الثمنين، فالبيع صحيح شرعاً، ولا شبهة للربا فيه.
فالزيادة التي تضاف على الأقساط هي حصة الأجل من الثمن وهي الفرق بين ثمن السلعة إذا بيعت بثمن حال وقيمتها إذا بيعت بثمن مؤجل، والشريعة الإسلامية شريعة معان وحقائق لا شريعة ألفاظ وأسماء، تحرم الشر إذا سمى باسم، وتبيحه إذا سمى بآخر(3).
· أن الأصل في الأشياء والعقود والشروط عند الفقهاء الإباحة متى كانت برضا المتعاقدين الجائزى الأمر فيما تبايعا،ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه أو نسخه أو تقييده أو تخصيصه بنص أو قياس. ولما لم يرد دليل قطعي الثبوت والدلالة على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى ذلك فعليه الدليل، بل قد ورد في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود والشروط والمواثيق والعقود وبأداء الأمانة ورعاية ذلك، والنهي عن الغرر ونقض العهود والخيانة، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأموراً به، علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصود، ومقصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العقود دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة(4).
(1) " مجلة الإقتصاد الإسلامي" ،فتوى الشيخ ابن باز (43).
(2) "يسألونك في الدين والحياة" أحمد الشرباصي، المجلد الخامس ص147، الطبعة11، دار الجيل ،بيروت.
(3) "مجلة لواء الإسلام"(ص822) عدد11 من السنة الرابعة، رجب 1370هـ، ابريل 1951، ص903 من عدد 12 من نقس السنة شعبان.137هـ،مايو1951م.
(4) "مجموع فتاوى ابن تيمية"(29/126)،نشرة البنك الإسلامي الأردني رقم(3)ص27-30 ونقلاً عن "الأم"للشافعي وشرح"سرح اصول البزروى".
المطلب الثالث : في دليل الرأي الوسط
خلاصة هذا الرأي – الذي ذهب إلية د.رفيق المصري – ان البيع إلى أجل مع زيادة الثمن مقابل ذلك ليس حراماً على اٌطلاق ولا حلالاً على اٌطلاق بل هو مكروه، وما كان كذلك فيخضع لحكم الشبهة التي تنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على موقف الشرع منها في حديثه المشهور " أن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.."(1).

ويرى أن تأمين قروض مجانية للمستهلكين يخفف من ظاهرو اللجوء إلى البيع بثمن أجل مقسط، كما يؤدي إلى الحد من زيادة الثمن(2).
المطلب الرابع :مناقشة الدلة والترجيح
أولاً : مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط:
ناقش جمهور الفقهاء أدلة القائلين بعدم جواز بيع التقسيط على النحو التالي:
أجابوا على استدلالهم بقوله تعالى ( وأحل الله البيع وحرم اربا)، بأن الآية نص عام، يشمل جميع انواع البيع، ويدل على أنها حلال إلاّ ما خصه الدليل، ولم يقم نص يدل على حرمة جعل ثمنين للسلعة مؤجل ومعجل فيبقى حلالاً عملاً بعموم الآية(3).
ومن جهة اخرى، فإن آية الربا لا تتناول محل النزاع، لأن الحديث في البيع بثمن مؤجل إنما يقع على السعر ( الثمن )، وليس للسعر استقرار لما فيه من التفاوت بحسب الغلاء والرخص، والرغبة في البيع وعدمها، فلم يكن أصلاً يرجع إليه في تعليق الحكم به، وحيث خرجت آيت الربا عن أن تكون داخلة في محل النزاع، انتفت الحاجة إلى النظر فيما يعارضها، وما يترتب عليه(4).
وأما استدلالهم بقوله عز وجل ( لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وأن عنصر الرضا مفقود في البيع بالتقسيط فيكون باطلاً فيجاب عنه:
بأن الرضا ثابت، لأن من يبيع بثمن مؤجل له سلطة تامه، ويتمتع بكامل الحق في تحديد السعر
(1) صحيح البخاري (52)، ومسلم (1599).
(2) "مصرف التنمية الإسلامي" (188/190).
(3) "نيل الأوطار" (5/172)،" الإسلام وثقافة الإنسان" (378).
(4) " الإمام زيد " (294).
الذي يريد بحسب حالة البيع من تعجيل أو تأجيل، وهو إذ يطلب ثمناً مؤجلاً فإنما يفعل ذلك وسيلة من وسائل ترويج بضاعته، فهو يلبي لديه رغبة في الحصول على الثمن الأعلى نظير تأخير الدفع، وما كان كذلك فلا اضطرار فيه. وأما المشتري فإنه كذلك بالخيار في الامتناع عن الشراء أو البحث عن تلجر آخر أو سلعة بديلة، أو أن يقترض قرضاً حسناً ليدفع بالثمن المعجل، ومع
ذلك فقد حصل على السلعة التي يريد دون أن يدفع ثمناً في الحال وهي للسلعة محل انتفاع وله فيها مصلحة(1).
وأما استدلالهم بحديث النهى عن صفقتين في صفقة وتفسير سماك له بما يفيد منعه فيجاب عنه:

أن هذا الحديث يحتمل أكثر من تفسير، فكما يحتمل أن يكون المراد به أبيعك هذه السلعة بألف نقداً أو ألفين نسيئة، يحتمل أن يراد به بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا. أو أن يسلف ديناراً في قفيز حنطة إلى شهر فلما حل الأجل زطالبه بالحنطة قال :بعني القفيز الذي لك علىّ إلى شهرين بقفزين فصار بيعتين في بيعة واحتمال الحديث لتفسير خارج عن محل النزاع يقدح في الاستدلال به على المتنازع فيه.
على أن غاية ما في الحديث من دلاله هو المنع من البيع إذا رفع على صورة أبيعك نقداً بكذا ونسيئة بكذا لا قال من أول الأمر نسيئة بكذا فقط، وكان أكثر من سعر يومه، مع أن المتمسكين بهذه الروايه يمنعون من هذه الصورة، ولا يدل الحديث على ذلك، فالدليل أخص من الدعوى.
ومن جهة اخرى، فالنهي في الحديث محله فيما إذا قبل المشتري على الإبهام ولم يعين أي الثمنين، اما لو قال قبلت بألف نقداً أو بألفين نسيئة صح ذلك(2).
أما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم :" من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما او الربا".
وأنه يفيد أن من باع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال فعليه أن يأخذ بالأقل منهما وإلاّ دخل في الربا المحرّم فجوابه:
أن في إسناد محمد بن عمرو بن علقمة وقد تكلم فيه غير واحد، والمشهور عنه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة"(3).

(1) " الإمام زيد" (294)،" مصرف التنمية الإسلامي" (187)،" الإسلام وثقافة الإنسان" (378)، المجلة العلمية لتجارة الأزهر، ص90،92، العدد السادس، 1983.
(2) "نيل الأوطار " (5/172).
(3) "نيل الأوطار" (5/171).
وعلى فرض صحته، فهو لا يقيد تحريم البيع بثمن مؤجل أكثر من الثمن الحال، بل يفيد أن المتبايعين إذا تفرقا دون تحديد الثمنين، فما يستحقه البائع هو أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين كي لا يقعا في الربا المحرم بصورة قطيعة(1).
كما يجاب عنه بما قاله الشوكاني في حديث الصفقتين في صفقة المتقدم.
ومن جهة اخرى، فإن ابن القيم قد فسر الحديث بأن يبيع الرجل السلعة بمائة مؤجلة ثم يشتريها منه بمائتين حالة، فإن أخذ بالثمن الزائد أخذ بالربا، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما وهو من أعظم الذرائع إلى الربا.
وأنه لا يعني النهي عن البيع بخمسين حالة أو بمائة مؤجلة فهي ليست قماراً ولا جهالة ولا غراراً ولا شيئاً من المفاسد، فإن البائع خير المشتري بين أي الثمنين شاء وليس هذا بأبعد من تخييره بعد البيع بين الأخذ والأمضاء ثلاثة أيام(2).
أما حديث النهى عن بيع المضطر وقولهم بأنه لا يقدم على دفع ثمن أعلى مع تأخير الدفع إلا المضطر فيجاب عنه بالآتي:
أنه جاء في سند الحديث: رواه أبو داود عن محمد بن عيسى عن هشيم عن صالح بن عامر كذا قال محمد قال: حدثنا شيخ من تميم.. قال في عون المعبود: قال الشيخ في إسناد الحديث رجل مجهول لا ندري من هو وقال ابن مفلح: صالح لا يعرف، تفرد عنه الهشيم، والشيخ لا يعرف أيضاً، ولأبى يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول، قد بلغني عن حذيفة أنه قال: قال صلى الله عليه وسلم... فذكر الحديث وفيه: " ألا إن بيع المضطرين حرام"، الكوثر ضعيف بإجماع، قال أحمد: أحاديثه بواطيل ليس بشيء(3).
أما قولهم بأن الزيادة في الثمن المؤجل من باب الربا، واستدلالهم على ذلك بأنها زيادة في نظير الجل، ولا يقابلها عوض فتكون محرمة فالجواب عنه:
بأن القول بتحريمها لكون الزيادة في مقابل التنفيس بالأجل فقط، فلا يخفى أن تحريم مثل ذلك مفتقر إلى دليل والمسألة محتملة للبحث والمناقشة(4).

(1) " فقه الإمام الأوزاعي"،د.عبد الله محمد الجبورى(2/189)، وزارة الأوقاف العراقية، إحياء التراث الإسلامي:مطبعة الإرشاد،بغداد1977،1397م.
(2) "إعلام الموقعين" (2/150،149).
(3) "عون المعبود" (9/235).
(4) "الروضة الندية" (2/106).
وأما القول بأن الزيادة لا يقابلها عوض فمردود، وذلك لأن البائع حين رضي بتسليم السلعة إلى المشترى بثمن مؤجل إنما فعل ذلك من أجل انتفاعه بالزيادة، والمشترى إنما رضي بدفع الزيادة من أجل المهلة، وعجزه عن تسليم الثمن نقداً.
فكلاهما منتفع بهذه المعامله، فلا يصدق القول بأن الزيادة بغير مقابل(1).
وأما قولهم ببطلان البيع بثمن مؤجل يزيد على الحال خشية أن يكون ذريعة إلى الربا، فيكون بمنزلة جارية نقداً وعشرة دنانير إلى شهر، بعشرين ديناراً إلى شهرين فيجاب عنه: بأنه لو رأى رجل جارية ثيباً عند رجل فأعجبته، فسأله أن يزوجها إياه، فاشتراها منه بمائة دينار إلى سنة، فقبضها فوطئها فلم ينتقصها ذلك شيئاً ثم باعها منه بخمسين ديناراً إلى ذلك الأجل، فتكون قد رجعت له جاريته وبقي له خمسون ديناراً إلى ذلك الأجل، أنما ينبغي أن تبطل هذه الصورة ويجعل كأنه استأجرها بخمسين الدينار ليطأها، وقد قال المخالفون بجوازها، فأجازوا ما ينبغي أن يبطل، وأبطلوا ما هو جائز من الزيادة مقابل الأجل(2).
وأما قولهم بأن الزيادة مقابل الأجل هي من باب الشرطين في بيع وسلف وبيع وقد نص صاحب المبسوط على عدم جوازهما لأنهما من باب الربا، لأن الزيادة مقابل الأجل فالجواب عنه :

أن قول صاحب المبسوط محمول على ما إذا ذكر ثمنين عاجلاً وآجلاً ولم يجدد أحدهما، والقول بالبطلان في هذه الحالة قول عامة الفقهاء بسبب الجهالة، وسداً لذريعة الربا. ولقد جاء في كتاب المبسوط ما يدل صراحة على جواز زيادة الثمن مقابل الأجل إذا كان ذلك معلوماً للمتعاقدين حيث يقول:" وإذا اشترى شيئاً إلى أجلين وتفرقا عن ذلك لم يجز لنهيه صلى الله عليه وسلم عن الشرطين في بيع، وإن ساومه على ذلك ثم قاطعه على أحدهما، وأمض البيع عليه جاز.."(3).
وأما القول بأن زيادة الثمن المؤجل من الحال في البيع بالتقسيط هي مقابل استغلال حاجة المشتري فتنتفى الرحمة، فيرد عليه بأن العلماء حين قالوا بجواز بيع التقسيط قد قيدوا ذلك بشروط سنأتي على ذكرها، ومنها أن لا تتضمن الزيادة غبناً فاحشاً للمشترى، علماً بأن هذا الغبن ليس مقصوراً على البيع بالتقسيط بل قد يكون بالنقد، ولكن عند ضعف الوازع الديني، وغياب الحس الإيماني.

(1) "مجلة الاقتصاد الإسلامي"،فتوى الشيخ ابن باز (43).
(2) كتاب الحجة.
(3) "المبسوط" (13/28).
وبالإضافة إفى ما تقدم فهناك فروق جوهرية بين الربا والبيع بالنسيئة أبرزها ما يأتي :
1- أن الربا زيادة أحد المتساويين على الآخر، ولا تساوى بين الشيئ وثمنه مع اختلاف جنسهما، فلا يصح تحريم الزيادة في البيع بثمن مؤجل لكونها ربا(1).
2- أن المبيع في حالة البيع سلعة لها منافع ولها غلات، وإن كانت مما ينتفع به باستهلاكه فإن أسعارقا تختلف باختلاف الأزمان، وإن كانت مما ينتفع به بسعر، فإذا احتاط البائع لنفسه فباعها بثمن مؤجل مرتفع ومعجل غير مرتفع فلأن موضوع المعاملة يقبل الارتفاع والانخفاض في الأزمان، وله غلات بنفسه، أما النقود في حالة الربا فهي وحدة التقدير، فالمفروض أن لا يؤثر فيها الزمان، وينبغي أن تكون كذلك دائماً، لأنها ليست سلعاً ترتفع وتنخفض(2).
وعليع، فما يأخذه البائع بثمن مؤجل فرقاً بين العاجل والآجل إنما يأخذه ثمن غلة، بخلاف الديون التي تجري في النقدين، فإن من يتسلمها يتسلم عيناً لا تختلف فيها الأسعار باختلاف الأزمنة، لأنها مقومة الأسعار، وهي لا تغل ينفسها، بل تغل بالاتجار وتنقلها من الأيدي ببضائع تعلو وتنخفض، فالبضائع هي التي تغل وليست هي موضع الدين(3).
3- أن هناك فرقاً بين أن يكون الأجل مراعى عند تقدير ثمن السلعة في البيع بثمن مؤجل، وبين أن يكون الأجل قد خصص له جزء معين من المال بالإضافة إلى المقدار الذي جعل بدلاً في المعاوضة.
إن فرقاً بين أن يبيع شخص سلعة تساوي في السوق الحاضرة مائة بمائة وخمسة مؤجلة، وبين أن يقترض شخص من آخر إلى أجل معين على أن يردها إليه عند حلول الأجل مائة وخمسة، فإن الأول جائز ولا شيء فيه من الربا، فإن المقدار كله المائة والخمسة قد جعل ثمناً للسلعة، والسلعة التي كان سعرها في السوق الحاضرة مائة يمكن أن تباع مع تأجيل الثمن وعدم تأجيله بمائة وبمائة وخمسة وبمائة إلا خمسة، على حسب الظروف والأحوال واختلاف الرغبات. وأما الثاني فغير جائز لأنه من ربا النساء الذي جعل فيه الزمن نقصوداً قصداً أصلياً في العقد مفروضاً له قدر معين من الثمن يتزايد هذا المقدار عادة إذا حل الأجل ولم يوف المدين بأداء الدين.

(1) "الروضة" (2/106).
(2) "بحوث في الربا" (48).
(3) " الإمام زيد " (294).
والخلاصة أن المائه والخمسة في صورة البيع بها إلى أجل وقعت كلها ثمناً للسله التي كان يمكن أن تباع بذلك الثمن حالاً، وأما المائة والخمسة في صورة اقتراض المائة بمائة وخمسة فإنها وقعت بدلاً
لشيئين: المائة بدل المائة، والخمسة بدل الزمن وثمن له خاصة، وهذا لا شك فيه أنه الربا الممنوع(1).
1- أن البيع بالتقسيط فيه تخيير للمستري بين الشراء نقداً بثمن أقل أو بثمن أكثر مؤجلاً، بخلاف الربا فإنه لا تخيير فيه.
كما أن الربا استغلال للناس ومص للدماء، وخيانة للمجتمع، وظلم للطبقة الكادحة من قبل أخذ الطمع والجشع. أما البيع بالتقسيط فهو تيسير لمعاملات الناس وتخفيف عنهم(2).
2- أن البيع بثمن مؤجل لا تحدث فيه زيادة في الثمن حتى ولو ما طال المشترى في الدفع عند حلول أجل الوفاء، فليس للبائع إلا ما اتفق عليه، وذلك بخلاف عقد الربا حيث يستمر المقترض في دفع الفوائد في حالة عدم تسديد القرض حتى يتضاعف بشكل كبير إذ في الغالب قد تكون الفائدة بسعر أعلى من السعر العادي عند التأخير في الدفع(3).
3- ان البيع بالتقسيط يترتب على من يتعامل به مختلف آثار ومقتضيات البيع بالطرق الشرعية ولا سيما ما يتعلق بالخيارات، وليس الأمر كذلك فيما يتعلق بالقرض بفائدة ربوية(4).
4- أن الثمن في البيع بالأجل هو للسلعة مراعى فيه الأجل وهو من التجارة المشروعة المعرض للربح والخسارة. وأما الزيادة في الربا فهي بلا مقابل وهو الذي حرّمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأخطاره وأضراره(5).
5- أنه في حالة البيع بثمن مؤجل يفترض أن تكون العلاقة بين البائع والمشتري علاقة تكافؤ – في الأعم الأغلب، ولا عبرة للحالات الشاذة – لأن القدرة على المساومة والتفاوض مفتوحة لكلا الطرفين على قدم المساواه. أما في حالة القرض الربوي فيفترض عدم التكافؤ إذ إن طرفاً فيها يعاني من حالة صعبة بالنسبة للطرف الآخر(6).
(1) "مجلة الإقتصاد الإسلامي"،فتوى الشيخ عبد الرحمن تاج ص43،المجلد الأول، العدد 11 شوال 1402هـ.
(2) ، (3) ""المجلة العلميةلتجارة الأزهر"ص90-92،العدد السادس،ابريا،1983م.
(1) من محاضرة عامة القاها د.أنس مصطفى الزرقا حول "مفهوم "الإقتصاد الإسلامي" بالجامعة الردنية الساعة 12ظهراص4/11/85.
(2) " النشرة الإعلامية رقم (3) " للبنك الإسلامي الردني (26).
(3) "مصرف التنمية الإسلامي" (187).

(9) أن التبادل في حالة الربا يتم على أشياء مثلية، في حين أن التبادل في حالة البيع يتم على أشياء مختلفة، سلعة مقابل نقد، وهذا الاختلاف في الأشياء المتبادلة هو الذي ينشئ النشاط التجاري المفيد المنتج في البيع بالمقارنة مع النشاط الربوي(1).
أما القول المانعين من بيع التقسيط بأن الزيادة في البيع بالنسيئة هي مقابل الزمان فقد ناقشه جمهور الفقهاء على النحو التالي:
1- أن الزيادة في الثمن المؤجل لا تتعين عوضاً عن الزمان، بدليل أن بعض الناس يبيع آجلا بأقل مما اشترى لحاجته إلى البيع وتصريف السلع أو لتوقعه انخفاض الأسعار في المستقبل، ومن التجار من يبيع بأقل من القيمة الحقيقية بثمن حال أو مؤجل، فلا تتعين الزيادة للزمان، بل الزيادة في أكثر الأحيان غير متعينة(2).
2- أننا لو سلّمنا بجعل الزيادة مقابل التأخير والزمن كما دلت على ذلك بعض الأحاديث والآثار، فإنما منع الشارع منها إذا كانت ابتداءً كما كان عليه أمر الجاهلية في قولهم :" أما أن تقضي وأما أن تربى"(3).
وأما استدلالهم بكون الزيادة في مقابل الأجل بالقياس على انقاص الدّين عن المدين مقابل تعجيل الدفع، وهو غير جائز بدليل تسمية ابن عمر رضي اللع عنهما له ربا ونهى ويد بن ثابت وغيره عنه، وبدليل إبطال أبي حنيفة لشرط التعجيل في خياطة الثوب مقابل زيادة الأجرة، وبدليل عدم جواز زيادة الدين الحال مقابل تأجيل صاحبة مدة. فالجواب عنه:
1- أن ابن أبي شيبة قد أخرج من مصنفه أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن الرجل يكون له الحق على الرجل إلى أجل فيقول له: عجّل لي وأضع عنك كذا فقال: " لا بأس في ذلك، إنما الربا أن يقول المدين أخر لي وأنا أزيدك، وليس عجّل وأنا أضع عنك" وفي رواة أخرجها البزار عن عبد الله بن عمرو، وأخرجها الطبراني بنحوها:" إنما الذي فيه نهى أن يقول المدين أعجّل لك كذا، وتضع عنه البقية"(4).
وليس قول ابن عمر وغيره بأولى ابن عباس، لا سيما أن لقوله سنداً من الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم :" ضعوا وتعجلوا".
(1) نفس المرجع ، (189).
(2) "الإمام زيد" (295)، أبرز صور البيوع الفاسدة (50).
(3) " الإمام زيد " (294).
(4) " تفسير الجصاص " (2/186).